الرئيس بارزاني: بين الواقعية والالتزام بالمبادئ

الرئيس بارزاني: بين الواقعية والالتزام بالمبادئ

صديق شرنخي

في لحظةٍ تتقاطع فيها أزمات العراق وتتعقّد فيها خيوط المشهد السياسي، قدّم الرئيس مسعود بارزاني في لقائه الأخير على قناة شمس مع الإعلامي إيلي ناكوزي، قراءة متقدمة في فهم الدولة العراقية، وأعاد طرح السؤال: كيف يمكن للدستور أن يكون ركيزة للبقاء لا ورقةً للتنازع؟ كان حديث بارزاني أشبه بخارطة طريق لرجل دولةٍ يتأمل واقع العراق بذاكرة الحرب وسلاح السياسة، لا بمنطق المزايدة الحزبية أو الخطاب الانفعالي.

استعاد بارزاني فكرة الدفاع عن الدستور لا بوصفها موقفًا كرديًا، بل رؤية لبناء دولةٍ تتسع للجميع. فالدستور – كما أشار – لم يكن منحةً سياسية، بل عقدًا اجتماعيًا وطنيًا كُتب بدماء العراقيين وتضحياتهم. ومن هذا المنطلق دعا إلى احترام نصوصه بوصفها الضمانة الوحيدة لبقاء العراق موحدًا ومتوازنًا، لا كيانًا هشًا تتقاذفه إرادات الخارج وخصومات الداخل.
رسالة بارزاني في هذا المحور كانت واضحة: «الدستور الذي وُضع تحت القصف لا يجوز أن يُفرَّغ من محتواه في زمن السلم».

القضاء
عند حديثه عن المحكمة الاتحادية، بدا بارزاني حازمًا في انتقاده لما أسماه «اختطاف القضاء». فقد أكد أن المؤسسة القضائية باتت أحيانًا أداةً بيد بعض القوى، بدل أن تكون الحكم النزيه بين السلطات. وصفه للمحكمة بأنها «غير دستورية في بنيتها» لم يكن هجومًا، بل تشخيصًا دقيقًا لخللٍ يهدد الثقة الوطنية.
في رؤيته،
الحل لا يكون بتعديل الدستور كلما ضاقت السلطة بأحد مواده حيث أورد أنها أصدرت أي المحكمة الدستورية في يوم واحد ١٦ قانون كيدي، بل بإصلاح القضاء ليكون حارسًا له لا خادمًا للمصالح السياسية.

لم يتحدث بارزاني عن تجربة الإقليم بروح التفوق، بل بمنهج الإدارة الواقعية. قالها بصراحة: "الأزمة في بغداد ليست أزمة مال بل أزمة إرادة"، ملخصًا بذلك مأساة الدولة العراقية الحديثة.
ما طرحه لم يكن دعوة للانفصال، بل عرضًا لنموذج يمكن أن يُحتذى: تجربة في بناء مؤسسات واستقرار اقتصادي وأمني ضمن إطار فيدرالي متوازن. وهنا أوحى أن نجاح كوردستان ليس تهديدًا لبغداد، بل دليلاً على أن الإرادة السياسية قادرة على تحويل الخراب إلى استقرار.

الانتخابات وتوازن الضرورة
في جانبٍ آخر من حديثه، كشف بارزاني أنه لم يكن متحمسًا للمشاركة في الانتخابات العراقية المقبلة، لكنه قرر خوضها تجنبًا لفراغٍ سياسي قد تستغله أطراف خصمة للحزب الديمقراطي الكوردستاني. إذ أن دخول هذه الأطراف منفردة كان سيمنحها ثقلاً انتخابيًا لاحقًا يمكن أن يُستثمر ضد الإقليم ذاته، سواء في تشكيل الحكومة المركزية أو في ترتيبات ما بعد الانتخابات داخل كوردستان.
أظهر أنه يتعامل مع الانتخابات بوصفها معركة مبدئية لا عددية، وأن المشاركة ليست هدفًا بحدّ ذاتها بل وسيلة لحماية التوازن السياسي ومنع القوى المعادية من تحويل نتائجها إلى أدوات ضغط على الإقليم.

رفض التنازلات وذاكرة التجربة السابقة
ذكّر بارزاني بمرارةٍ واضحة بتجربة الانتخابات السابقة، حين تم الالتفاف على إرادة الناخبين عبر صفقات ما بعد الاقتراع. لذلك كان حازمًا في قوله إنه لن يسمح بتكرار المشهد ذاته، ولن يقدم أي تنازلات تمسّ مكانة الحزب الديمقراطي الكوردستاني أو إرادة ناخبيه.
كان هذا الموقف بمثابة تحذيرٍ مُبكّر لكل من يراهن على مقايضة التمثيل الكردي في بغداد، أو السعي لعزل الإقليم من خلال معادلات “التوازن القسري”.

الانقسام الكردي ومأساة الداخل

من أكثر النقاط المؤلمة في حديثه كانت حين قال: «بعض الكورد أشد شراسة ضدنا من أعدائنا».
بهذه العبارة المقتضبة عبّر بارزاني عن أزمة داخلية عميقة يعيشها الصف الكردي، حيث تحوّل الخلاف السياسي بين الأحزاب إلى خصومة قومية. إنها إشارة إلى خطر الانقسام الذي يجعل من الكرد خصومًا لأنفسهم، ويضعف موقفهم أمام بغداد والإقليم معًا.
كان يقصد، ضمناً، أن وحدة الصف الكردي ليست مطلبًا انتخابيًا، بل قضية وجودٍ سياسي وقومي، وأن أخطر ما يواجه كوردستان ليس أعداء الخارج بل انقسامات الداخل.

بين الشراكة والسيادة
في مجمل حديثه عن العلاقة مع بغداد، أعاد بارزاني تعريف مفاهيم الشراكة والتوازن والتوافق. فالشراكة لا تعني التبعية، والتوازن لا يعني المحاصصة، والتوافق ليس ضعفًا بل حكمة في إدارة التنوع. دعا إلى دولةٍ تُبنى على الاحترام المتبادل، لا على الابتزاز السياسي، وعلى التعاون لا الإقصاء.
صوت الواقعية ومسؤولية الدولة
ما قدّمه بارزاني في هذا الحوار لم يكن مجرد موقف سياسي، بل إعلانًا لرؤية وطنية تبحث عن صيغة إنقاذ واقعية. رؤيةٌ تجعل من الدستور أساس الدولة، ومن القضاء ضمان العدالة، ومن الفيدرالية مشروع استقرار لا تهديد وحدة.
وفي زمنٍ تتكاثر فيه الشعارات، وتقلّ فيه الرؤى، بدا صوت بارزاني كصوت رجلٍ يريد أن يعيد السياسة إلى معناها الأول: خدمة الإنسان، لا إدارة الخلافات.
إنها لحظة تستدعي من العراق – بكلّ مكوّناته – أن يصغي لصوت العقل، لأن بقاء الدولة مرهون بقدرة قادتها على احترام ما اتُّفق عليه لا بما يمكن انتزاعه بالقوة.