زيارة الشرع إلى واشنطن والعلاقات السورية - الأمريكية
فرهاد حبش
في خضمّ زيارة الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة الأمريكية يوم الاثنين، ولقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تحمل هذه الزيارة في طيّاتها العديد من الملفات، منها طبيعة العلاقة بين سوريا وأمريكا، ومسألة انضمام سوريا إلى اتفاقيات إبراهام، والعلاقات مع إسرائيل. إلا أن هذه الزيارة تُعيدنا إلى الماضي لدراسة تاريخ العلاقة بين البلدين، التي مرّت بمراحل متعدّدة، بعضها اتّسم بالتوتر، وبعضها الآخر بُني على الحاجة السياسية.
ترجع بدايات العلاقات بين سوريا والولايات المتحدة الأمريكية إلى العهد العثماني، أي قبل قيام الدولة السورية الحديثة، عندما أنشأت الولايات المتحدة تمثيلًا دبلوماسيًا لها في دمشق.
خلال مرحلة نضال سوريا من أجل نيل استقلالها، أبدى الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون تأييده لمبدأ استقلالها عن الانتداب الفرنسي، غير أن هذا الدعم لم يُترجم إلى واقع بسبب تدهور حالته الصحية ثم وفاته لاحقًا.
أثناء الحرب العالمية الثانية، وقف العديد من القادة السوريين – ومنهم الرئيس السابق شكري القوتلي – إلى جانب دول الحلفاء، وأعلنت سوريا الحرب على دول المحور عام 1945.
وبعد استقلال سوريا عام 1946، بدأت البلاد ببناء علاقاتها الدبلوماسية مع دول العالم، ومن ضمنها الولايات المتحدة الأمريكية، حيث عُيّن مفوّض سوري رسمي في واشنطن.
في فترة الانقلابات العسكرية التي شهدتها سوريا، كانت العلاقة بين الطرفين غير مستقرة نتيجة الاضطرابات السياسية وعدم استقرار الحكم. أحيانًا كانت الولايات المتحدة تدعم طرفًا على حساب آخر.
استجاب حسني الزعيم لمطالب الولايات المتحدة، إذ وقّع اتفاقية الهدنة مع إسرائيل، وأبرم اتفاقات مع واشنطن، كما أبدى استعداده لقبول السلام مع إسرائيل. إلا أن حكمه لم يدم طويلًا، إذ أُطيح به خلال انقلاب زميله سامي الحناوي عليه في 14 آب 1949، الذي اتخذ مواقف معادية للولايات المتحدة الأمريكية. وسرعان ما أُطيح بالحناوي أيضًا بدعم من أديب الشيشكلي، الذي نفّذ انقلابًا في 19 كانون الأول 1949. وهكذا استمرّت العلاقات بين سوريا وأمريكا في تلك الفترة متقلّبة تبعًا لتغيّر الأنظمة والانقلابات المتكرّرة.
لم تشهد العلاقات بين سوريا وأمريكا أي تطوّر ملحوظ في العقود اللاحقة، وفي ظلّ حكم آل الأسد كانت العلاقات في أدنى مستوياتها، إذ عارض النظام السوري دخول أمريكا إلى العراق عام 2003، وفتح حدوده أمام المقاتلين، مما دفع واشنطن إلى إقرار "قانون محاسبة سوريا" في العام نفسه.
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، دعمت الولايات المتحدة الأمريكية مطالب الشعب السوري ضد نظام الأسد، وامتد دعمها المادي والعسكري إلى فصائل المعارضة السورية التي قاتلت النظام. كما فرضت أمريكا والاتحاد الأوروبي سلسلة واسعة من العقوبات على النظام السوري، كان أبرزها "قانون قيصر" الذي أقرّه الكونغرس الأمريكي عام 2020 وبعد سقوط النظام السوري، عادت العلاقات السورية – الأمريكية إلى الواجهة مجددًا، حاملةً في طيّاتها العديد من الملفات والتحديات التي تواجهها سوريا، ومنها رفع العقوبات، والانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم، والعلاقات مع إسرائيل.
تأتي زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع ولقاؤه مع دونالد ترامب، التي جرت بوساطة تركية وقبولٍ إسرائيلي، كحدثٍ كبير لإعادة صياغة طبيعة العلاقة بين سوريا وأمريكا، رغم وجود شروط أمريكية واضحة على سوريا كما ذُكر سابقًا.
ويبقى السؤال المطروح: هل سيقبل الرئيس أحمد الشرع بجميع هذه الشروط، رغم وجود فصائل متطرفة عقائديًا داخل سوريا؟
إنّ سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا تتمثل في عدم السماح بعودة النفوذ الإيراني إلى الأراضي السورية، والحفاظ على حقوق جميع المكونات السورية ضمن "سوريا الجديدة"، إضافةً إلى إدماج سوريا في التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش.
وخلال زيارة الشرع إلى الولايات المتحدة الأمريكية، يُتوقّع أن تظهر آثارها داخليًا، خصوصًا على قوات سوريا الديمقراطية، من خلال احتمال قبول الشرع بجميع الشروط الأمريكية مقابل وقف دعم واشنطن للأكراد في مطالبهم المتعلقة بالفيدرالية.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل ستوافق سوريا على تطبيع العلاقات مع إسرائيل؟ إذ إنّ مثل هذا التطبيع قد يغيّر توازن القوى السياسية في الشرق الأوسط، ويؤثر على طبيعة علاقات سوريا مع دول الإقليم.