من المشروعية إلى الشراكة تموضع الكورد في كوردستان سوريا بين الوعي القومي والتحول الوطني

من المشروعية إلى الشراكة تموضع الكورد في كوردستان سوريا بين الوعي القومي والتحول الوطني

بلند بشار السينو

منذ بدايات تشكّل الوعي السياسي الكوردي في كوردستان سوريا، لم تكن المسألة الكوردية في سوريا يوما قضية طارئة أو هامشية، بل ظلّت كامنة في بنية الدولة السورية الحديثة منذ تأسيسها، بوصفها مسألة هوية وإنصاف واعتراف في آن معا. فبينما سعت الأنظمة المتعاقبة إلى ترسيخ نموذج مركزي يقوم على نفي التعددية القومية والثقافية، وجد الكورد أنفسهم أمام معادلة قسرية تُقصي وجودهم الرمزي والفعلي في آن واحد، فكانت النتيجة تراكما بنيويا للحرمان القومي والسياسي، لم يقتصر أثره على الواقع المعيشي، بل طال بنية الوعي والتمثيل واللغة والذاكرة الجمعية. ومع ذلك، بقيت الحركة السياسية الكوردية تحاول على الدوام تجاوز المعادلة الصفرية بين السلطة والإنكار.

الكورد، في جغرافيتهم الأصيلة الممتدة في شمال وشمال شرقي البلاد، لم يدخلوا التاريخ السوري من بابٍ جانبي، بل شكّلوا أحد أعمدته الرئيسة، حضورًا وتضحياتٍ ومشاركةً. ورغم أن الحدود السياسية الحديثة رسمت واقعًا جديدًا، إلا أنّ الوجدان القومي ظلّ موحّدًا في إدراكه لهويةٍ تمتد في عمق كوردستان الكبرى، دون أن يتعارض ذلك مع الانتماء الوطني السوري أو يلغيه. ومن هنا، تبلورت فكرة المشروعية الكوردية بوصفها حقاً أصيلاً لا يستمد وجوده من اعتراف السلطة، بل من عمق التاريخ والواقع والمشاركة، الأمر الذي جعلها قاعدة للوعي السياسي للكورد السوريين في مسارهم نحو الاعتراف والشراكة الرصينة.

منذ بدايات النضال الكوردي الحديث، شكّلت ثورات البارزاني الخالد المرجعية الأعمق في وجدان الحركة القومية الكوردية. فذلك النهج لم يكن مجرد تجربة سياسية في جغرافية محددة، بل كان منظومة قيمٍ ورؤيةٍ للتحرر والكرامة والاعتراف بالذات. انطلقت ثوراته من الوعي بالحق، لا من ردّ الفعل، ومن الإيمان بوحدة المصير الكوردي في مواجهة التهميش والإنكار. هذا النهج انتقل إلى الأجيال اللاحقة في كوردستان سوريا، ليصبح قاعدةً فكريةً في بناء الحركة السياسية الكوردية هناك، ومصدرًا للإلهام في الجمع بين الكفاح القومي والانفتاح الوطني. وفي هذا السياق، جاء تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا عام 1957 كتتويجٍ لمسارٍ من التراكم الوجداني والسياسي، معتمدًا نهج البارزاني الخالد كمنطلقٍ للعمل القومي المنفتح على فكرة الشراكة الوطنية والتعددية السياسية.

لقد عبّر الحزب، ومن بعده المجلس الوطني الكوردي عن الإرادة القومية في إطارٍ وطنيٍّ سلميٍّ جامع، واضعًا الأساس لفكرة الانتقال من المشروعية القومية إلى الشراكة السياسية والدستورية في بنية الدولة السورية.
مع تبدّل المشهد السوري بعد عام 2011 بصورةٍ عميقة، وجد الكورد أنفسهم أمام واقعٍ جديد فرضته التحولات الميدانية والسياسية. ومع انكفاء السلطة المركزية في دمشق عن بعض مناطق شمال وشمال شرقي البلاد، ظهرت الإدارة الذاتية كسلطةٍ محلية نشأت من رحم النظام السوري السابق، واستندت إلى بنيةٍ فكريةٍ مرتبطةٍ بمفهوم "الأمة الديمقراطية" الذي يتبنّاه حزب العمال الكوردستاني. غير أن هذه الإدارة لم تكن نتاج مشروعٍ قومي كوردستاني بالمعنى الجوهري، بل تعبيرًا عن محاولةٍ لملء الفراغ السلطوي والحفاظ على البقاء ضمن معادلات السيطرة والنفوذ، وارتبط قرارها السياسي وسلوكها الميداني منذ البداية ببنيةٍ مصالحيةٍ سلطويةٍ هدفها الديمومة، لا تحقيق المطالب القومية من عقائدي يتجاوز الهوية الكوردية نحو طرحٍ أمميٍّ غامض، يتناقض مع جوهر القضية القومية الكوردية في سوريا في ظلّ سلوك عملي أقرب إلى إدارة الواقع بما يخدم استمرار سلطتها، لا إلى صياغة مشروعٍ وطنيٍّ أو قوميٍّ متوازن، استخدمت الإدارة الذاتية وأذرعها جلّ طاقتها في تكريس السطو، مستثمرة ملف الحماية الذاتية والهواجس الأمنية وحتى الشعارات القومية لبسط هيمنتها بوصفها "الضامن الأمني" الوحيد، وتحولت من إطارٍ محلي مؤقت إلى سلطةٍ أمرٍ واقعٍ ضمن شبكة توافقات وصراعات داخلية وشبكة علاقات ظرفية معقدة عابرة للحدود، دون أن تستند إلى أي شرعيةٍ قومية حقيقية. في المقابل، ظلّ التيار القومي المتمثل بالحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا والمجلس الوطني الكوردي فاعلين للرؤية السياسية الواضحة التي تربط بين الحقوق القومية والانخراط في المشروع الوطني السوري على أساسٍ دستوريٍّ يضمن الشراكة والاعتراف، ولكن دون أن يمتلكا سلطةً تنفيذيةً على الأرض، حيث تتركز السلطة الفعلية في الجهة المقابلة التي لا تتبنى الحقوق القومية كمرجعية، بل تُخضعها لمنطق المصلحة والرهان.

أفرز هذا التناقض فجوة بنيوية عميقة في ملف التمثيل الكوردي، فالحلّ العادل للقضية الكوردية لا يتحقق عبر سلطاتٍ أمرٍ واقعٍ أو تفاهماتٍ أمنية أو عبر أدوات لا تمتلك الفعالية والفاعلية، ما يحتم البحث في إعادة تعريف التمثيل القومي للحقوق الكوردية ضمن رؤى بنيوية تكاملية، وكذلك الخوض في إعادة تعريف الدولة السورية على نحوٍ يجعل منها فضاءً جامعًا للتنوع، لا أداة إقصاء وهيمنة. إلى دولة تستند لرؤى دستوريةٍ واضحة، تُخرجها من بوتقتها المنكفئة إلى فضاء رحب يؤطر لسياق مؤسساتي ديمقراطي رشيد.
تتخذ الجغرافيا السياسية لكوردستان سوريا بعدًا مركّبًا في هذا السياق، إذ تتقاطع فيها خطوط النفوذ الإقليمي والدولي على نحوٍ يجعل من تموضع الكورد عنصرًا حاسمًا في معادلة الاستقرار أو الاضطراب. فالحدود الطويلة مع إقليم كوردستان وتركيا، وامتدادها العميق في الداخل السوري، تمنحها موقعًا استراتيجيًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية قادمة. هذه الجغرافيا التي كانت يومًا مصدر تهميشٍ وتجزئة، يمكن أن تصبح – إن حُسنت إدارتها سياسيًا – أحد ركائز الشراكة الوطنية المتوازنة والمستدامة.

لم يعد موقع كورد سوريا في المعادلة الوطنية والإقليمية هامشيا كما كان في العقود السابقة، بل بات يُعاد تشكيله ضمن توازنات دقيقة تتحكم فيها القوى الفاعلة داخليًا وخارجيا، إلا أن حضورهم السياسي ما زال يرتكز إلى معادلة ((الفاعل الميداني دون النفوذ السيادي)). وعلى الرغم من تعقّد المشهد السوري وتنازع القوى الإقليمية والدولية على تحديد ملامح الحل السياسي، تبقى المسألة الكوردية إحدى البنى الأكثر حساسية واستعصاءً، إذ تمثل اختبارا جوهريا لقدرة الدولة السورية المقبلة على تجاوز مركزيتها التاريخية نحو عقدٍ وطني جديد يقوم على بنيان حقوقي منصف ومواطنة متساوية كاملة.

إن التحدي الأبرز أمام الفاعل الكوردي اليوم لا يتمثل في إثبات حضوره الميداني، بل في رص صفوفه وتحرير قراره السياسي، وإعادة ربط حركته القومية بمشروعٍ وطني سوري جامعٍ قائم على الاعتراف والتكامل لا على المقايضة والتبعية. فالمسار الإقليمي والدولي، على تشعبه، لا يمنح الفرص إلا لمن يمتلك رؤية متماسكة وقدرة على تحويل حضوره إلى مشروعٍ وطني معترف به في بنية الدولة المقبلة، وهو ما يجعل من النضج السياسي والاتزان الاستراتيجي شرطين جوهريين لاستكمال التحول من المشروعية إلى الشراكة في معناهما الأوسع.