بين الشعارات والتحوّلات.. قراءة في المشهد الكوردي خلال الحرب السورية
هيثم مراد
خاضت سوريا حرباً أهلية امتدت لأكثر من أربعة عشر عاماً بدأت شرارتها باحتجاجات سلمية خرجت في ربيع عام 2011 عندما نادى السوريون بالحرية والعدالة والمساواة، وحلموا بوطن يسوده القانون، وتُصان فيه الكرامة الإنسانية.
مع تصاعُد الأحداث تحوّلت تلك الاحتجاجات إلى ثورة شاملة عمت مختلف المحافظات لتصبح إحدى أكثر المحطات تعقيداً في التاريخ المعاصر للمنطقة، ولعبت التوترات الداخلية والخارجية دوراً مهماً في تعقيد مسار الثورة وتحويلها إلى صراع متعدد الأطراف، ما أثر على جميع المناطق بما فيها المناطق الكوردية التي واجهت تحديات خاصة بسبب التكوين الاجتماعي والسياسي الفريد فيها.
في غرب كوردستان، كان المشهد متداخلاً ومتبايناً في الوقت ذاته فقد انقسمت القوى الكوردية إلى اتجاهين الأول شارك في الثورة السورية رافعاً الشعارات الوطنية الجامعة من درعا إلى حمص وحماة مؤمناً أن حرية الكورد لا تنفصل عن حرية السوريين جميعاً، وكان هذا الاتجاه يعكس روح التضامن الوطني والرغبة في التغيير الشامل للنظام السياسي القائم، أما الاتجاه الثاني فقد اتّخذ منحىً مختلفاً حيث شهدت مدن مثل قامشلي وعامودا مظاهرات موازية ركزت على قضايا محلية كحرية المرأة وحرية زعيم حزب العمال الكوردستاني والاعتراف بحقوق الكورد الثقافية والسياسية مما عكس اختلافاً في الأولويات والرؤى بين أبناء المنطقة أنفسهم.
مع حلول عام 2014 تغيّر ميزان القوى بشكل واضح إذ تصاعد نفوذ جهة كوردية واحدة على حساب بقية الأحزاب مستفيدة من الفراغ الأمني والسياسي الذي خلفته الحرب، ومع مرور الوقت تراجعت المساحة المتاحة للمعارضة والمجتمع المدني، وأصبحت التظاهرات بحاجة إلى موافقات أمنية في مشهد يعيد إلى الذاكرة ممارسات الأنظمة التي ثار الناس ضدها كما أن السيطرة على الموارد الاقتصادية والاجتماعية ساهمت في تعزيز النفوذ السياسي لهذه الجهة على حساب الآخرين.
ورغم هذا الواقع ما تزال بعض الأحزاب الكوردية ترى في الفيدرالية الطريق الأنسب لضمان الحقوق السياسية والقومية، وتعتبرها خطوة نحو اللامركزية والديمقراطية.
من الناحية النظرية تبدو الفيدرالية صيغة واعدة لتوزيع السلطة وتكريس العدالة بين المكونات إلا أن الواقع الميداني يطرح تساؤلات عميقة حول مدى جاهزية القوى السياسية لتطبيقها بمعناها الحقيقي لا الشكلي.
فالفيدرالية ليست مجرّد تقسيم إداري أو جغرافي بل هي منظومة متكاملة تقوم على احترام الحريات، وتداول السلطة وتكافؤ الفرص بين المواطنين، وإن كنا اليوم نحلم بفيدرالية تمنح لنا من دمشق فكيف سنضمن أن تسود فيها العدالة والمساواة والحرية داخل مناطقنا نحن؟ وهل ستتاح لكل القرى والبلدات الكوردية الحق في تمثيل نفسها بصورة عادلة وهل ستتمكن الأحزاب الصغيرة والمجتمع المدني من المشاركة في القرارات دون قيود أو ضغوط خارجية؟
وهل سنعيش حقاً تجربة ديمقراطية تتيح لكل صوت أن يسمع، ولكل حزب أن يشارك أم أننا بعد سنوات قليلة سنجد أنفسنا نطالب بفيدرالية جديدة داخل الفيدرالية ذاتها هرباً من مركزية أخرى بلغة جديدة وشعارات مختلفة؟ وهل ستبقى الموارد الطبيعية والخدمات العامة متاحة للجميع بشكل عادل أم ستتحول إلى وسيلة للنفوذ والهيمنة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في غياب الفيدرالية بل في فقدان معناها حين تتحول من مشروع للحرية إلى وسيلة للسيطرة فحين تتكرر أدوات القمع بأسماء مختلفة، وتبدل الشعارات دون إن يتغير جوهر السلطة فإننا نكون قد استبدلنا الاستبداد القديم بآخر جديد يحمل وجوهاً مختلفة لكنه يحتكم إلى العقلية ذاتها وبالتالي يبقى السؤال حول مدى مصداقية وشفافية الإدارة المستقبلية مفتوحاً.
لذلك تبقى الفيدرالية الحقيقية إن تحققت مرهونة بقدرتنا على بناء ثقافة سياسية جديدة تؤمن بالشراكة لا بالإقصاء وبالاختلاف لا بالتبعية وبالإنسان قبل الشعارات، فبدون تلك القيم لن تكون الفيدرالية سوى قشرة جميلة تخفي تحتها النظام ذاته الذي حاولنا كسره ذات يوم.
يبقى السؤال مفتوحاً بين حلم لم يكتمل وواقع لا يريد إن يتغير بين حرية نرتجيها وعدالة ننتظرها، وبين دماء سفكت من أجل مستقبل قد يأتي يوماً ليجد فيه الكورد والسوريون جميعاً وطنهم متساوي الحقوق، والكرامة، والأمل.
يبقى علينا أن نطرحَ هذه التساؤلات دائماً، ونسعى لتطبيقها على أرض الواقع لا على الورق وحده، فالمستقبل يحتاج إلى الإجابة والعمل معاً.