سوريا من دولة «مُتَّهَمة» بالإرهاب إلى دولة في صفّ مكافحة الإرهاب

سوريا من دولة «مُتَّهَمة» بالإرهاب إلى دولة في صفّ مكافحة الإرهاب

كوردستان

في خطوة تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز إطارها الأمني، انضمت سوريا إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب. حدثٌ لم يكن يومًا متوقعًا في ميزان التحالفات الإقليمية، ويشكّل تحوّلًا نوعيًا في موقع دمشق على خريطة العلاقات الدولية بعد أكثر من عقد من العزلة والاتهامات.

فالدولةُ التي طالما صُنِّفت باعتبارها «راعية للإرهاب» أو «بيئة حاضنة للتطرُّف»، تجد نفسها اليوم ضمن تحالف دولي تقودُه القوى الكبرى ذاتها التي واجهتها سياسيًا وعسكريًا.
إنها مفارقةٌ تاريخيةٌ تُعيد رسم معادلات الإقليم، وتفتح بابًا واسعًا لقراءة مآلات هذا التحوّل على المستويين الداخلي والخارجي.
انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ليس مجرّد خطوة رمزية؛ إنه إعلان عن إعادة تموضع سياسي في مرحلة دولية تتصاعدُ فيها المخاطرُ العابرةُ للحدود وتنحسر فيها الحروب التقليدية لصالح معارك استخباراتية ضد خلايا متطرفة.
كما أنه يمكن اعتباره اعترافًا — ولو ضمنيًا — بأن سوريا ليست ذلك الكيان المنعزل الذي حاولت أطراف إقليمية ودولية عزله، بل لاعب يصعبُ تجاوزُه في أي مشروع لمكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط.

لكن خلف هذا الاعتراف تقف دوافع متبادلة:
- فالتحالف بحاجة إلى دولة تملك الجغرافيا والخبرة الميدانية والأجهزة القادرة على التعامل مع خلايا داعش في البادية والجنوب والشرق.
- وسوريا بحاجة إلى مظلة سياسية تخفّف من وطأة العقوبات، وتعيدُها تدريجيًا إلى المشهد الدولي عبر بوابة الشرعية الأمنية.
انعكاسات إقليمية تعيد رسم خرائط النفوذ

على المستوى الإقليمي، يحمل هذا التحوّل ثلاثة آثار رئيسية:
1-تركيا وإعادة حسابات الشمال
انضمام سوريا إلى التحالف الدولي قد يقلّص مبررات الوجود العسكري التركي في الشمال، الذي كان يقوم على عنوان «محاربة الإرهاب». بالتالي قد نشهد شدًّا وجذبًا جديدًا حول مصير الحدود والمنطقة الآمنة.
2-العلاقة مع القوى العربية التي أعادت فتح قنواتها مع دمشق ستجدُ في الخطوة دعمًا، وقد يؤدي ذلك إلى تعزيز مسار إعادة دمج سوريا في المنظومة العربية الأمنية.
3-توازنات إيران وروسيا
دخول دمشق في تحالف دولي تقوده واشنطن قد يخلق حاجة دقيقة لإعادة توازن العلاقات، خصوصًا أن الحلفاء التقليديين لن ينظروا بارتياح إلى أيِّ تقاربٍ سوريّ-غربي يتجاوز الخطوط الأمنية.
تحملُ الخطوةُ بعدًا داخليًا لا يقل أهمية عن بعدها الخارجي، فقد يسهمُ الانضمامُ في تحسين قدرات مكافحة الخلايا النائمة، وتبادل المعلومات، وإضفاء طابع مؤسسي على الجهود المحلية، ويشكل ذلك فرصة لكسر الجمود السياسي إذا ما ترافق مع مناخ حوار داخلي يهدف إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة وثقة المواطن بالدولة.
الانخراط في التحالف قد يفتح الباب نظريًا أمام تسهيلات أو تخفيف جزئي للعقوبات، وهو ما تحتاجه سوريا لاستئناف دورة الإنتاج وإعادة الإعمار.
لكن التحدّي الأكبر يبقى في ترجمة هذه الخطوة إلى إصلاحات حقيقية تمنعُ عودةَ التطرُّف، وتعيدُ بناءَ العقد الاجتماعي، وتجعلُ الحربَ على الإرهاب جزءًا من مشروع دولة حديثة لا مجرّد عنوان سياسي.

انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب ليس حدثًا عابرًا، بل محطة فاصلة قد تفتح صفحة جديدة في تاريخ بلد أنهكته الحرب والتدخُّلات والانقسامات.
السؤال اليوم ليس ما إذا كانت دمشق قد أصبحت جزءًا من معركة العالم ضد الإرهاب، بل: هل ستنجح في تحويل هذا الانفتاح الدولي إلى فرصة لإعادة بناء الدولة واستعادة دورها الطبيعي في الإقليم؟

إنها لحظة نادرة، إما أن تتحوّل إلى بداية جديدة، أو تبقى فصلًا إضافيًا في كتاب الفرص الضائعة.