لا دولة دائمة دون دستور دائم
شيركوه كنعان عكيد
مع دنو السنوية الأولى للسقوط المدوي لنظام الأسد وتداعياته، لا بد من القيام بتحليل مبسط لبعض الوقائع الرئيسية التي مهدت للأوضاع الحالية، للبناء عليها من أجل محاولة استنباط التطورات المحتملة في قادم الأيام، من خلال تسليط الضوء على الواقع وأهم أحداثه ودلالات تلك الأحداث ومآلاتها.
بدأ كل ما نعايشه اليوم، منذ إعلان السيد احمد الشرع نفسه رئيسا مؤقتا للبلاد، ومن ثم المحاولة غير الموفقة لصياغة إطار سياسي ودستوري جديد، و كذلك انطلاق ما سمي بمؤتمر(الحوار) الوطني السوري، والذي كان في الواقع اسما بلا مسمى، حيث افتقر قبل كل شيء الى مبررات عقده أي (الحوار) حيث انه لم يشرك في ذلك الحوار المزمع كافة القوى السياسية والمدنية، خاصة ممثلي المعارضة السورية، وممثلين عن الحركة السياسية الكردية، ناهيك عن ممثلي الطوائف والمكونات الأخرى.
بعد عدة أيام من ذلك الحدث، أعلن عن توقيع دستور انتقالي مؤقت، لم يحظَ بالتأييد الشعبي من الكثير من المكونات السورية حيث أبقى على الاسم القديم للدولة (الجمهورية العربية السورية) مع انه تبنى علم الجمهورية السورية.
تمخض ذلك وببساطة عن ولادة الحكومة الانتقالية الجديدة والتي منحت لأغراض دعائية بعض الوزارات الى بعض الشخصيات الهامشية من المحسوبين على المكونات غير العربية او الإسلامية، وإن كانوا لا يتعدون مرة أخرى حدود التمثيل الاستعراضي.
كل ذلك وغيره أدى الى نشوء حالات من الصراع والتناحر الدموي في بعض الأحيان بين السلطة والمكونات التي شعرت بالغبن والخشية من المستقبل، وادى ذلك بدوره الى تدخلات إقليمية ودولية مما أدى بالدولة مكرهة الى قبول تسويات مهينة في المنظور العام.
بالنسبة للكورد وبما يمثلونه من حضور سياسي وعسكري وسكاني على الجغرافيا السورية، فقد جنح الرئيس الشرع الى أسلوب التفاوض مع الإدارة الذاتية بعد جملة من الضغوط الداخلية الخارجية ووقع بعض الاتفاقيات الهشة مع السيد مظلوم عبدي، والتي لا تزال تنتظر وضعها حيّز التنفيذ بوجود حالة انعدام الثقة او ضعفها بين الطرفين. ورغم نشوب بعض المناوشات العسكرية المحدودة بين الطرفين واتهام كل طرف لآخر بخرق الاتفاق، إلا أن الأمور لا تزال الى الآن تحت السيطرة، مع استمرار السلطة وأتباعها في بث خطاب التخوين والتشكيك على المنابر الإعلامية المختلفة.
كان واضحا منذ البداية بان كل تلك الإجراءات وما تلاها إنما تؤسس لتركيز كبير للسلطة التنفيذية في يد رئيس الدولة بالإضافة الى منحه صلاحيات الهيمنة على السلطة التشريعية (حتى وان كانت انتقالية) من خلال منح رئيس الدولة سلطة تعيين ثلث أعضاء المجلس التشريعي.
في خضم كل ذلك وبالرغم من ذلك التحول الدراماتيكي على الساحة السورية وما تبعه من متغيرات، الى أن هناك ثوابت لم تتأثر بذلك الواقع المتغير، مثل بقاء خارطة نفوذ القوى الفاعلة على حالها تقريبا إذا استثنينا دور ايران وأذرعها من المعادلة مقابل ازدياد نفوذ تركيا التي حصلت مؤخرا على موافقة برلمانها على تمديد صلاحياتها العسكرية لثلاث سنوات أخرى الأمر الذي يتيح لها التدخل بعمق في المشهد السوري.
أمام كل ذلك الكم من المعضلات المستعصية، التحديات المستمرة وتلك الصورة الضبابية للمستقبل، يصبح من حق المرء القلق أن يتساءل بإلحاح: وماذا بعد؟ ما هي الحلول المتاحة لكل أو بعض تلك المعضلات؟
إن كلمات مثل، (مؤقت) و(انتقالي) هما ما تتسم به الحالة السورية سواء في الخطاب السياسي السوري أو في معرض الحديث عن الدستور أو الحكومة أو البرلمان بل وحتى عن رئيس البلاد. وهذا بالضبط هو مكمن الخلل وأسّ المشكلة. فكل ما هو قائم اليوم ما هو إلا حالة مؤقتة وغير مستقرة الأمر الذي يجعل الواقع السياسي والإداري والاقتصادي وحتى الاجتماعي إن شئتم، واقعا سقيما وعليلا بطبيعته. وبالتالي فان واقعاً قائما على أسس وقتية لا يمكن إلا إن ينتج أوضاعاً مؤقتة، تفتقر الى المعايير الضرورية التي تتيح الإمكانية لقياس مدى استمرارية ذلك الواقع من عدمه. وهذا بالذات ما أدى الى تعطيل العملية السياسية والتفاوضية بين الأطراف المتنازعة وهو ما جعل من الوضع السوري برمّته سوقا مفتوحة للمساومات وتضارب المصالح، المحلية والإقليمية والدولية. فكل طرف من تلك الأطراف المعنيّة يأمل بأن تتيح هذه الحالة المؤقتة فرصاً أفضل مما هو متاح اليوم ولذلك فهم لا يجدون مبرراً لضرورة التعجّل في تسوية الملفات العالقة والتوصل الى حلول نهائية تنهي المشكلة. هم يعوّلون في الواقع على عامل الزمن.
وبناء على ما تقدم، فان الحقيقة الثابتة التي لا يمكن إنكارها إلا من قبل ذوي النوايا الفاسدة، هي انه لا يمكن التخلص من هذه الحالة المتأزمة والوضع الشائك إلا من خلال تفعيل الدولة للخطاب الوطني الذي يتناهى الى أسماعنا بين الحين والآخر. الخطاب الوطني الذي يؤسس لدولة المواطنة المتساوية، دولة القانون والعدالة، وذلك عبر التحول ودون مماطلة، من الدستور الانتقالي إلى دستور مدني دائم يعبّر عن إرادة الشعب، تشارك فيه كافة المكونات العرقية والدينية بحيث يكفل حقوقها دون أي إقصاء.
أخيراً، لا بد من القول إن الإرادة الوطنية المخلصة وحدها القادرة على تحويل هذه المرحلة المؤقتة والوضع المتخبط الذي يمّس أسس الدولة ومقوماتها الأساسية ، إلى رحاب مرحلة الاستقرار الدائم في دولة مدنية ينعم فيها الجميع بالحرية والكرامة والأمان.