القوى الخفية وصناعة الوهم

القوى الخفية وصناعة الوهم

محمد أمين أوسي
في عالمٍ يتداخل فيه الواقع بالتمثيل، وتتشابك فيه المصالح مع الخطابات، تتسلل قوى خفية إلى مركز صناعة القرار دون أن تُعلن اسمها أو تُعرّف نفسها. هذه القوى لا تعمل في الضوء، ولا تحتاج إلى خطابٍ سياسي أو انتشارٍ إعلامي، فهي تعرف أن النفوذ الحقيقي لا يحتاج إلى التصفيق، بل إلى القدرة على توجيه الأحداث من خلف الستار.
ومع مرور الزمن، تصبح هذه القوى جزءاً من البنية العميقة للمؤسسات، تراقب من بعيد، وتتحكم من قريب، وتعيد إنتاج حضورها في كل مرحلة عبر رموز وواجهات وشعارات تغيّر جلدها لكنها تبقى وفية لغرضها الأساسي: ضبط الإيقاع العام للمجتمع ومنع أي مساءلة جذرية.
إن خطورة هذه القوى لا تكمن فقط في وجودها، بل في طريقتها الهادئة والمتقنة في إدارة المشهد. فهي لا تعلن عن نفسها كخصم، ولا تدخل في مواجهة مباشرة، بل تدير اللعبة بصمتٍ محسوب. تصوغ الشعارات حين تحتاج الجماهير إلى الأمل، وتطلق الوعود حين يطلب الناس التغيير، وتغرق الإعلام بالضجيج حين يقترب أحد من طرح الأسئلة الخطيرة. بذلك، يصبح السجال العام مجرد دوران داخل دوائر مغلقة لا تقود إلى أي نتيجة. ويجد المجتمع نفسه أسيراً لـ“حقيقة” مصنّعة، يصعب تمييز ما فيها من الواقع، وما فيها من الوهم.

ومن خلال قدرة هذه القوى على التحكم في تدفق المعلومات وفي إيقاع الأخبار، يصير الرأي العام مادة طيّعة قابلة للقولبة.
تُستخدم المنصات الرقمية، والبيانات الضخمة، وتقنيات التأثير النفسي لصناعة المزاج الجماعي، بحيث يصبح الناس مقتنعين بأنهم يفكرون بحرية، بينما هم في الحقيقة يسيرون ضمن مسارات رُسمت لهم مسبقاً. وحين يطلق أحدهم سؤالاً خارج السياق المسموح، يُقابل إما بالتجاهل أو التشويه أو الإغراق بمعلومات مضللة. هكذا تتحول الأسئلة الكبرى إلى هامش، وتبقى القضايا الجوهرية خارج التداول العام.

وما يزيد الأمر تعقيداً أن هذه القوى تعرف جيداً كيف تلبس ثوب الشرعية. فهي لا تقف دائماً في مواجهة المؤسسات، بل تتغلغل داخلها. تتسلل إلى مواقع صناعة القرار، وتتحالف مع شبكات اقتصادية وإعلامية، وتستخدم السلطة الشكلية لتوجيه السلطة الحقيقية. وعندما تتغير الحكومات أو تتحول التحالفات، تبقى هذه القوى ثابتة في موقعها، لأنها غير مرتبطة بصندوق انتخاب أو بمدة ولاية، بل بمنظومة مصالح واسعة يصعب تفكيكها.

مع كل هذا، يعيش الناس في مساحة من الضباب. يسمعون أصواتاً كثيرة، لكنهم لا يصلون إلى الحقيقة. يتجادلون حول ظاهر الأحداث، ويتصادمون حول شعارات سطحية، بينما يظل جوهر الأزمة بعيداً عن متناولهم. وهكذا تنتج حالة عامة من الإحباط، يشعر فيها المواطن بأن كل شيء يتحرك حوله، لكن لا شيء يتغير فعلاً. تُعاد ذات الأخطاء، وتتكرر ذات الخطابات، وتبقى ذات النتائج، وكأن الزمن يدور في حلقة مفرغة.

إن أخطر ما تصنعه هذه القوى هو الوهم. وهم المشاركة، ووهم التأثير، ووهم الحرية. تُعطي الناس انطباعاً بأنهم يملكون رأياً وصوتاً وموقعاً في العملية السياسية، بينما الحقيقة أن كل ذلك يجري ضمن حدود مرسومة بدقة. الوهم يصبح سلعة تُسوّق يومياً، يستهلكها الجمهور من دون أن يدرك أنه جزء من مشهد أكبر لا يرى منه سوى الواجهة. وحين يغيب النقاش الصادق وتُفقد الشفافية، يصبح الوهم بديلاً عن الحقيقة، ويستمر الجميع في الدوران حول فراغ كبير.

في النهاية، لا يمكن لأي مجتمع أن يتقدم أو أن يواجه أزماته بعمق ما لم يكسر احتكار الحقيقة، ويعيد فتح النقاش حول ما يجري خلف الكواليس. فالقوى الخفية تزداد قوة عندما يصمت الناس، وتضعف عندما تُطرح الأسئلة بصوت عالٍ. لكن هذا يتطلب شجاعة جماعية وإرادة واعية لتجاوز الضجيج والبحث عن الجوهر. وحتى يتحقق ذلك، سيظل الكثيرون يعيشون في عالمٍ يُدار من خلف الستار، عالمٍ يبدو واضحاً في الظاهر، لكنه في العمق محكومٌ بقوةٍ لا يراها أحد.