الحركة السياسية الكوردية بين الفكر وتسارع الأحداث

الحركة السياسية الكوردية بين الفكر وتسارع الأحداث

نور شوقي كوراني

لا يستطيع اثنان أن يختلفا على الوجود التاريخي للحركة السياسية الكوردية في سوريا، ولاسيما أنها ليست وليدة أحداث وانقلابات حدثت في سوريا بعد الثورة السورية الكبرى، بل هي نتاج ثورات وانتفاضات حدثت في أجزاء كوردستان وقد كانت مخاضاً طبيعياً بعد انهيار الخلافة العثمانية وتوزيع الدول العظمى إرث الرجل المريض فيما بينهم وتقسيم الشرق حسب مصالحهم.

بعد الحرب العالمية الأولى عام 1914 بشرت بظهور دول جديدة أكدت ذلك اتفاقية سايكس بيكو المشؤومة عام 1916 ، وعلى ذلك الأساس وجدت الدول المستحدثة عكس ذلك ولاسيما أن مناطق الكورد في كل من تركيا وايران والعراق وسوريا كانت خصبة وبمثابة خزان وقود وتموين لهم هذا عدا الاستفادة من بقية الموارد البشرية، وعلى أساس مغازلة الدول العظمى لتركيا خصوصاً والعرب والفرس عموماً أُلغيت اتفاقية سيفر، وأوجدوا بدلاً عنها اتفاقية لوزان التي أنكرت حق الكورد وجعلتهم يعيشون مئة عام تحت غطرسة وظلم دول لم تستطع يوماً الاعتراف حتى بالوجود الكوردي ضمن جغرافيتها المصطنعة، ومارسوا كل أشكال الاستبداد وطمس المعالم في محاولة لإنهاء ما يمتُّ للكورد بصلة في مناطقهم حتى أسماء القرى والمناطق الكوردية لم تسلم منهم.

الأهم أن الألفية الثالثة كانت تستوجب ترتيب جديد في منطقة الشرق، فتم طرح مشروع الشرق الأوسط الكبير في ثمانينيات القرن المنصرم، ومن ثم تحول الى مشروع الشرق الأوسط الجديد في تسعينيات القرن الفائت، وفي كلتا المحاولتين الظروف الذاتية والموضوعية لم تكن مستقرة، فأتت ثورات الربيع العربي وهي ترجمة فعلية للمشرعين السابقين. لكن العنوان الجديد لم يكن إلا إطاراً براقاً يخفي خلفه الاسم الحقيقي للمشروع، أما العنوان الحقيقي فهو (تقسيم المقسم) وتم تحريك المشروع بكل أدواته من افريقيا، وكانت تسير بشكل سلس، وأججت نصر الثورة في قلوب شعوب الشرق من خلال الإطاحة بأنظمة كانت جاثمةً على صدورهم لعقود متتالية، وفي حقيقة الأمر فقدت تلك الأنظمة صلاحياتها، وكانت تستوجب التغير كي تتماهى مع مشاريع الدول العظمى للألفية الجديدة حتى وصلت الثورة لسوريا، ولكن المفارقة أن أكثرية الدول تخلصت من أنظمتها في غضون أشهر من بدء ثورات الربيع العربي، وحين وصلت الثورة الى سوريا تبخرت بركتها، وباتت لعنة وشؤماً على السوريين بشكل عام، واذا عدنا إلى مضمون المقال سنجد أن مخضرمين ممن تخرجوا من رحم الثورات والانتفاضات الكوردية أعلنوا النفير العام بين الكورد في سوريا منذ بداية القرن العشرين فتكلل جهدهم بتأسيس أول حزب كوردي عام 1957 ورغم أن قادة الحركة كانوا يتمتعون في ذلك الوقت العصيب بالجرأة والمواقف الرجولية والوقوف في وجه الأنظمة المتعاقبة في إدارة دفة الحكم في سوريا. لكن المؤامرات وعدم وجود حاضنة دولية جعلت العالم يغض الطرف لما يحدث للكورد على أيدي الأنظمة الأربعة المغتصبة لكوردستان، وإضافة لكل هذا باشروا بمد أيديهم ضمن تنظيمات الحزب وفي ليلة وضحاها بدأت حلقات مسلسل الانشقاقات تزداد تارة على أساس فكري وتارة على أساس تنظيمي، وبدأ كل طرف منشق يرتدي ثوباً كوردستانياً حتى يثبت وجوده، ويضفي الشرعية حتى وصل العدد إلى رقم مخيف لم يعد يعرف الشارع الكوردي من هو الشرعي ومن هو المتسلق، والكل كان ينادي منذ انشقاقه بوحدة الصف الكوردي ورفع شعارات رنانة تغازل الشارع الكوردي والعمق الكوردستاني دون أن يقف طرف واحد على تطوير الفكر وإيجاد مشروع كوردي، وجعله يتناغم مع السياسية العالمية الجديدة والأحداث التي تتسارع في منطقة الشرق، ورغم وجود امثله كوردية استطاعت بعد جهد من العمل والتضحيات أن يتكلل نضالها بنتائج جيدة حيث استطاعت الاستفادة من الظروف السياسية المؤاتية وعقد علاقات إقليمية ودولية جيدة وانتظرت بصبر أيوب الفرصة وحين أتت الفرصة كانت جاهزة وأفضل مثال قيام إقليم كوردستان، وتقارب الأحزاب الرئيسية في كوردستان ايران، وكذلك عملية السلام التي طرحتها تركيا وتبناها حزب العمال الكوردستاني.
فلو تذكّرنا الصراع الموجع بين الحزبين الرئيسيين في إقليم كوردستان سنجد أنهما وضعا الخلافات جانباً حين أتت الفرصة ومارس الطرفان لعبة السياسة وكأنَّ شيئاً لم يكن، وكذلك في وقت ما بدأ الصراع بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني وحزب العمال الكوردستاني. لكن الحزب الديمقراطي الكوردستاني تعامل مع ذلك الموقف فيما بعدْ، من منطلق وجود فكر قومي كوردي شامل وأثناء عملية السلام بين تركيا وحزب العمال حيث لعب الحزب الديمقراطي الكوردستاني دوراً إيجابياً.
لقد أتت فرصة للكورد السوريين وعلى طبق من ذهب وكأنهم لازالوا ينتظرون بعضهم البعض أن يبادر طرف بدعوة الطرف الآخر على مأدبة غداء أو عشاء، خاصة بعد الاتفاق التاريخي الذي حدث بين الأطراف الكوردية في كونفراس قامشلو وبرعاية كوردستانية أرضت كل الأطراف الكوردية في سوريا، وكان يتوجب على كل الأطراف حينها أن يتجهوا إلى روج افايي كوردستان ويباشروا نضالهم هناك.