من أنقرة إلى قامشلو: مبادرات السلام التركية ورسم ملامح المستقبل الكردي في سوريا
أكرم خلف
منذ قيام الجمهورية التركية عام 1923، ظلّ الكرد يواجهون سياسات الإنكار والتذويب، حيث حُظر استخدام لغتهم، وتعرّضت هويتهم لمحاولات طمس ممنهجة. لكن مع وصول حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان إلى الحكم عام 2002، بدا وكأنّ صفحة جديدة قد تُفتح في علاقة الدولة التركية بالمجتمع الكردي.
فقد أعلن أردوغان ما سُمّي حينها بـ "الانفتاح الديمقراطي" أو "المبادرة الكردية"، التي تضمنت إصلاحات تاريخية غير مسبوقة في الجمهورية، منها السماح بتدريس اللغة الكردية، وافتتاح قناة رسمية تبثُّ بالكردية، وإطلاق حوارات مباشرة مع حزب العمال الكردستاني (PKK) في مسعى لإنهاء عقود من الصراع الدموي.
لكن تلك المبادرة، التي منحت الكُرد للمرة الأولى شعوراً بالاعتراف والمواطنة، لم تدم طويلاً. فمع تصاعد التوترات السياسية وضغوط المعارضة القومية، تراجعت الحكومة تدريجياً عن معظم الإصلاحات، قبل أن تنهار عملية السلام نهائياً عام 2015، ويعود المشهد إلى مربّعه الأول: صراع دموي وانعدام للثقة.
في المقابل، طرحت المعارضة القومية، بزعامة دولت بهجلي، مبادرة لنزع سلاح حزب العمال الكردستاني ركّزت على الجانب الأمني والعسكري فقط. وفي تموز 2025، أعلن الحزب عن تسليم رمزي لأسلحته استجابة لنداء زعيمه المعتقل عبد الله أوجلان، في خطوة بدت في ظاهرها بداية لنهاية الحرب، لكنها في جوهرها أثارت مخاوف كبيرة داخل الأوساط الكردية من أن تتحول إلى وسيلة لإضعاف القوة الكردية من دون أي مقابل سياسي أو ثقافي ملموس.
الارتداد السوري: من الجبال التركية إلى سهول الجزيرة
لم تقتصر تداعيات هذه التحوُّلات على الداخل التركي، بل امتدت إلى الجغرافيا الكُردية في سوريا، حيث يشكل الوجود الكردي هناك امتداداً طبيعياً للعمق الكردي في تركيا.
فحزب العمال الكردستاني كان لاعباً محورياً في تشكيل حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الذراع السياسية والعسكرية للحركة الكردية السورية، والذي أسس الإدارة الذاتية في شمال وشرق البلاد. لذلك، كلما شهدت العلاقة بين أنقرة وPKK تقدماً أو انتكاساً، انعكس ذلك مباشرة على الكرد في سوريا.
فعندما أطلق أردوغان مسار الانفتاح الديمقراطي في العقد الأول من حكمه، شهدت الحدود التركية–السورية فترة هدوء نسبي، وبدأت أنقرة تتعامل مع بعض القوى الكردية السورية ببراغماتية واضحة. لكن مع انهيار عملية السلام عام 2015، تغيرت المعادلة جذرياً: إذ اعتبرت تركيا أي وجود كردي منظّم في سوريا تهديداً مباشراً لأمنها القومي، فشنت عمليات عسكرية في عفرين ورأس العين وتل أبيض، ما وضع الكرد السوريين في مواجهة مفتوحة مع واحدة من أقوى دول المنطقة.
أما دمشق، فتبنت سياسة مزدوجة تجاه الكرد، فهي تارةً تُبقي على خطوط اتصال مع الإدارة الذاتية، وتارة أخرى تضيق عليها الخناق لإجبارها على العودة إلى سلطة المركز. ومع ذلك، يبقى العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل الكرد السوريين هو مسار العلاقة بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، لا قرارات النظام السوري وحده. فكل خطوة نحو تهدئة تركية – كردية، تفتح تلقائياً نافذة جديدة أمام أكراد سوريا للمناورة السياسية، والعكس صحيح.
البارزاني كضامن محتمل... وأردوغان كفرصة أخيرة
في هذا السياق، يبرز دور الزعيم الكردي مسعود بارزاني كوسيط موثوق قادر على ردم الهوة بين أنقرة والكرد. فالبارزاني يتمتّع بعلاقات قوية مع أردوغان من جهة، وبمكانة رمزية لدى قطاعات واسعة من الكرد في تركيا وسوريا من جهة أخرى.
إعادة إحياء مسار الانفتاح الديمقراطي على يد أردوغان – ولو بصيغة جديدة – يمكن أن يشكل فرصة واقعية لإعادة بناء الثقة وتثبيت الحقوق السياسية والثقافية، شرط أن تكون هناك ضمانات واضحة وتعاون إقليمي منسّق.
نجاح مثل هذا المسار لن ينعكس فقط على الكرد داخل تركيا، بل سيحمل تأثيراً مباشراً على كرد سوريا، إذ سيمنحهم أفقاً للتسوية السياسية مع دمشق، ويعيد التوازن للعلاقات الكردية – التركية، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار في شمال سوريا.
نحو سلام كردي–تركي يمتد إلى سوريا
إنّ الطريق نحو سلام دائم بين الكرد والدولة التركية لا يمكن أن يمرَّ عبر البنادق، بل عبر الاعتراف المتبادل والمصالح المشتركة. فإحياء الانفتاح التركي على الكرد – بضمانات سياسية وثقافية حقيقية – هو الخيار الأكثر استدامة، ليس فقط لتركيا، بل أيضاً للكرد في سوريا الذين يقفون اليوم على مفترق طرق حاسم بين الانغلاق والمصالحة.
قد تكون تركيا، رغم كل تناقضاتها، هي البوابة الأكثر واقعية لتسوية إقليمية تُعيد تعريف العلاقة بين الكرد ودول المنطقة على أسس المشاركة لا الإقصاء، وعلى التعاون لا الصراع.
فمن أنقرة إلى قامشلو، يبقى السلام الكردي–التركي هو المفتاح الأول لاستقرار المنطقة بأكملها.