من الإنكار إلى الشراكة الدستورية.. الكُرد في معادلة سوريا الجديدة

من الإنكار إلى الشراكة الدستورية.. الكُرد في معادلة سوريا الجديدة

جوان علي

في خضم التحوُّلات الجذرية التي تعصف بسوريا منذ عام 2011، تبرز الحاجة إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أسس جديدة تضمن العدالة، التعددية، والمواطنة المتساوية.
لم يعد بالإمكان تجاهل واقع التنوُّع القومي والديني الذي يميّز سوريا، ولا يمكن بناء مستقبل مستقر دون الاعتراف الدستوري بحقوق جميع المكوّنات، وفي مقدمتها الشعب الكُردي في كوردستان سوريا، الذي لطالما كان جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني، لكنه عانى من التهميش والإنكار لعقود طويلة.
تقوم الدولة الدستورية الحديثة على مبدأ العقد الاجتماعي الذي يضمن الحقوق والحريات لجميع المواطنين، ويعترف بالتعددية الثقافية والقومية كعنصر إثراء لا تهديد.
ويُعدّ الاعتراف الدستوري بالمكونات القومية والدينية شرطاً أساسياً لتحقيق العدالة الانتقالية وبناء دولة المواطنة.
من أبرز المبادئ الدستورية المعتمدة دولياً:
* الاعتراف بالهوية القومية والثقافية للمكونات.
* ضمان الحقوق اللغوية والتعليمية.
* التمثيل السياسي والإداري المتوازن.
* حظر التمييز على أساس القومية أو اللغة أو الدين.
هذه المبادئ ليست ترفاً قانونياً، بل ضرورة سياسية وأخلاقية لضمان الاستقرار والعدالة في المجتمعات المتعددة.
يشكل الكُرد في سوريا أحد أكبر المكونات القومية غير المعترف بها دستورياً، ويتركزون في مناطق كردستان سوريا، الممتدة من ديرك إلى عفرين مروراً بكوباني وقامشلو. ورغم هذا الحضور التاريخي والجغرافي، فقد تعرّض الكُرد لسياسات ممنهجة من الإنكار والإقصاء، أبرزها:
* حرمان عشرات الآلاف من الجنسية السورية بموجب إحصاء عام 1962، مما أدى إلى حرمانهم من الحقوق المدنية الأساسية.
* منع اللغة الكُردية من التّداوُل الرسمي والتعليم، واعتبارها لغة غير شرعية.
* غياب أي تمثيل سياسي أو إداري يعكس خصوصيتهم الثقافية والقومية.
* سياسات التعريب القسري وتغيير الطابع الديمغرافي في مناطقهم.
هذه السياسات لم تكن مجرد أخطاء إدارية، بل تعبير عن رؤية مركزية أحادية تنكر التعدد وتخشى الاعتراف لكي يكون الدستور السوري القادم عادلاً وشاملاً، لا بد أن يتضمن مجموعة من المبادئ التي تضمن الحقوق الدستورية للمكونات، وفي مقدمتها الكُرد:
ينبغي أن ينصَّ الدستورُ صراحةً على أن سوريا دولة متعددة القوميات والثقافات، وأن الكُرد مكون أصيل له كامل الحقوق في التعبير عن هويته القومية والثقافية
يجب أن يُكفل للكُرد حق التعليم بلغتهم الأم، وإدراج اللغة الكُردية في المناهج الرسمية ضمن مناطق كوردستان سوريا، مع ضمان حرية النشر والإعلام باللغة الكُردية.
ينبغي أن يُضمن للكُرد تمثيل سياسي عادل في المؤسسات التشريعية والتنفيذية، وأن تُمنح مناطقهم صلاحيات إدارية موسعة في إطار اللامركزية الديمقراطية، بما يتيح لهم إدارة شؤونهم الثقافية والاقتصادية.
يجب أن يتضمن الدستور مواد صريحة تحظر التمييز على أساس القومية أو اللغة أو الدين، وتكفل المساواة أمام القانون لجميع المواطنين.
ينبغي أن يُعترف بما تعرّض له الكُرد من انتهاكات، وأن تُنشأ آليات للعدالة الانتقالية تضمن جبر الضرر، وردّ الاعتبار، وإعادة الحقوق المسلوبة، بما في ذلك استعادة الجنسية لمن حُرم منها، وتعويض المتضررين من سياسات التهجير والتعريب.
رغم وضوح المطالب الكُردية، فإن الطريق نحو دستور عادل يواجه تحديات بنيوية، أبرزها:
* غياب الإرادة السياسية لدى بعض الأطراف المركزية التي لا تزال تتمسك برؤية أحادية للهوية الوطنية.
* التدخُّلات الإقليمية والدولية التي تعرقل المسار الوطني السوري، وتوظف القضية الكُردية لأجندات خاصة.
* الانقسامات الداخلية بين القوى السياسية السورية، بما فيها القوى الكُردية، مما يضعف الموقف التفاوضي.
* غياب ثقافة الاعتراف بالتعددية لدى بعض النخب السياسية والدينية.
هذه التحديات تتطلب جهداً جماعياً لتجاوزها، عبر الحوار الوطني، وبناء توافقات دستورية قائمة على العدالة لا على الغلبة.
رغم التحديات، فإن هناك فرصاً واعدة يمكن البناء عليها:
* نضج الوعي الشعبي السوري تجاه التعدُّدية، خاصة بعد سنوات من الحرب والانقسام.
* الدور المتنامي للمجتمع المدني والمنظمات الحقوقية في الدفع نحو الاعتراف الدستوري.
* الاهتمام الدولي المتزايد بحقوق الأقليات والمكونات في الدول الخارجة من النزاع.
هذه الفرص يجب أن تُستثمر في صياغة دستور يعكس الواقع السوري، لا ينكره، ويؤسس لدولة العدالة والمواطنة
إن الاعتراف الدستوري بحقوق الكُرد في سوريا ليس مطلباً فئوياً، بل ضرورة وطنية وأخلاقية. فدستور سوريا المستقبل يجب أن يكون مرآة لتنوعها، لا أداة لإنكار هذا التنوع. والكُرد، كمكون تاريخي وثقافي، يستحقون أن يكونوا شركاء في صياغة هذا المستقبل، لا مجرد أطراف فيه. إن بناء سوريا الجديدة يبدأ من الاعتراف، ويُستكمل بالعدالة، ويُتوَّج بالمواطنة المتساوية.