اللامركزية الإدارية والاتحاد الفيدرالي.. مطلب رئيس للكُرد في سوريا

اللامركزية الإدارية والاتحاد الفيدرالي.. مطلب رئيس للكُرد في سوريا

إبراهيم حاج صبري

يشهد المشهد السوري منذ أكثر من عقد تحولات عميقة أعادت طرح سؤال: الدولة والهوية والنظام السياسي برمّته، فبعد سنوات من الحرب والانقسام والتدمير لم يعد ممكناً العودة إلى مركزية الدولة القديمة التي قامت على الإقصاء وإنكار التنوع القومي والاجتماعي. ومع انكشاف حدود الدولة القومية الأحادية التي فشلت في استيعاب مكونات المجتمع السوري برزت الحاجة إلى نموذج جديد يقوم على الاعتراف بالتعدُّد، ويؤسس لشراكة سياسية حقيقية بين جميع المكونات.
في هذا السياق يطرح الكرد في سوريا رؤيتهم السياسية على أساس اللامركزية الإدارية والاتحاد الفيدرالي باعتبارهما الإطارين الأكثر واقعية وعدلاً لضمان حقوقهم القومية والديمقراطية ولتحقيق الاستقرار الوطني العام.
فالكرد وهم أحد أقدم شعوب المنطقة وأكثرها تجذراً في الجغرافيا السورية عانوا لعقود طويلة من التهميش والحرمان من حقوقهم الثقافية والسياسية وكانوا ضحية سياسات الصهر والإنكار التي مارستها الدولة المركزية القومية. إن تصحيح هذا الخلل البنيوي لا يتم عبر إعادة إنتاج مركزية جديدة بل عبر بناء نظام ديمقراطي تعددي يعترف بالكرد وبكل المكونات السورية على قدم المساواة.
إن اللامركزية الإدارية والاتحاد الفيدرالي لا يطرحان هنا كمطلب قومي كردي فحسب بل كمشروع وطني شامل لإعادة تأسيس الدولة السورية على أسس جديدة. فالفيدرالية ليست انفصالاً ولا تقسيماً بل صيغة دستورية تضمن وحدة البلاد من خلال توزيع عادل للسلطات بين المركز والأقاليم وهي النموذج الذي أثبت نجاحه في كثير من الدول المتعددة القوميات والثقافات مثل ألمانيا وسويسرا وكندا والعراق حيث شكل الضامن الحقيقي للاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي.
أما اللامركزية الإدارية فهي المستوى الأول من هذا النظام الذي يتيح للإدارات المحلية تسيير شؤونها بحرية في المجالات الخدمية والثقافية والتنموية مع الحفاظ على وحدة القرار السيادي للدولة.
بالنسبة للكرد في غربي كوردستان فإن هذا النموذج يوفّر حلاً متوازناً يجمع بين تطلعاتهم القومية المشروعة وبين الشراكة الوطنية السورية فهم لا يسعون إلى الانفصال بل إلى بناء نظام اتحادي ديمقراطي يتيح لهم إدارة مناطقهم بلغتهم وثقافتهم وتنمية مواردهم بما يخدم أبناء المنطقة جميعاً دون تمييز. فالفيدرالية هنا ليست وسيلة لتقسيم البلاد بل لتوحيدها على أسس جديدة قوامها العدالة والمواطنة والمشاركة.
لكن هذه الرؤية لا يمكن أن تبقى مجرد شعار أو مشروع فلسفي خارج الإطار المؤسسي للدولة بل يجب أن تتجسد عملياً من خلال نظام اتحادي أو لامركزي متكامل يضمن حقوق جميع المكونات ويضعها ضمن آليات قانونية ودستورية واضحة.
إنّ بناء سوريا المستقبل لا يمكن أن يتحقق بإعادة إنتاج المركزية التي كانت سبباً رئيساً في أزمات البلاد بل عبر توزيع السلطة والثروة بشكل عادل بين مختلف المناطق والمجتمعات اللامركزية الإدارية والاتحاد الفيدرالي يتيحان للمجتمعات المحلية المشاركة في القرار الوطني، ويعزّزان الرقابة الشعبية، ويحدّان من الفساد والتسلُّط كما أنهما يشكّلان الإطار الأمثل لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة وإعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.
إن رؤية الكرد في سوريا تقوم على أساس أن الفيدرالية أو اللامركزية الإدارية ليست مطلباً كردياً معزولاً بل مشروعاً ديمقراطياً وطنياً عاماً، فالكرد يدركون أن استقرار سوريا وتقدمها لا يتحقق إلا عبر الاعتراف بجميع مكوّناتها القومية والدينية والثقافية وإشراكها الفعلي في الحكم والإدارة. وهم يؤمنون أن أي حل دائم للأزمة السورية يجب أن يقوم على مبدأ الشراكة لا الإقصاء والاعتراف لا الإنكار والتوزيع لا الاحتكار.
إن الاتحاد الفيدرالي أو النظام اللامركزي الديمقراطي هو الصيغة التي تضمن للكرد ممارسة هويتهم القومية بحرية، وتحمي في الوقت ذاته وحدة البلاد وسيادتها، وهو الخيار الذي ينسجم مع تطور الوعي السياسي الكردي الذي تجاوز فكرة الانعزال أو الانفصال نحو مفهوم الشراكة والاتحاد الطوعي في هذا الاتحاد تدار المناطق الكردية وفق خصوصياتها الثقافية والإدارية لكنها تبقى جزءاً من الدولة السورية الديمقراطية التي تقوم على المواطنة المتساوية بين جميع أبنائها.
إن الدعوة إلى الفيدرالية أو اللامركزية ليست دعوة لتقسيم سوريا بل لإنقاذها من الانهيار إنها رؤية واقعية.
فالكرد يدعون جميع القوى الوطنية السورية إلى تبني هذا النهج باعتباره السبيل الوحيد لبناء دولة ديمقراطية عادلة تحفظ حقوق الجميع وتمنع عودة الاستبداد
إن مستقبل سوريا الديمقراطية لا يمكن أن يقوم إلا على قاعدة الاعتراف المتبادل بين شعوبها وعلى نظام يوزّع السلطة بين المركز والأقاليم وفق مبدأ الوحدة في التنوع، وبهذا المعنى فإن اللامركزية الإدارية والاتحاد الفيدرالي يمثلان التَّوجُّه والمطلب السياسي الرئيس للكرد في سوريا ليس بدافع قومي ضيق بل انطلاقاً من إيمانهم أن الحرية القومية لا تنفصل عن الحرية الوطنية وأن العدالة لا تتحقق إلا من خلال الديمقراطية وأن الدولة لا تبنى بالقهر المركزي بل بالشراكة الطوعية بين مكوناتها.
فالكرد إذ يطرحون هذا المشروع إنما يقدمون رؤية وطنية لإنقاذ سوريا وإعادة تأسيسها على أسس جديدة تجعل من التعدُّد مصدر قوة ومن الاختلاف ثراءً ومن المواطنة الحرة أساس الانتماء، فالفيدرالية أو اللامركزية الإدارية ليست مجرد مطلب كردي بل مشروع وطني شامل لبناء سوريا جديدة ديمقراطية تعددية اتحادية تحترم جميع أبنائها، وتكفل لهم الحرية والكرامة والعدالة.