سلام الجيران... تركيا وإسرائيل، القضية الكردية والقضية الفلسطينية

سلام الجيران... تركيا وإسرائيل، القضية الكردية والقضية الفلسطينية

شكري شيخاني

إنَّ السلام الحقيقي لا يُعقد بين الأنظمة، بل يُبنى بين الشعوب. فما قيمة معاهدة تُوقَّع على الورق إذا كانت القلوب لا تزال مشحونة بالكراهية، والعقول لم تُنِرها فكرة العيش المشترك؟

السلام الحقيقي لا يولد من المؤتمرات ولا من البروتوكولات، بل من تربية الإنسان على قيم المحبة والاحترام والتسامح. إنه ثقافة وسلوك، لا اتفاقيات وصور تذكارية.
وكما للحرب جيوشها وخططها وأدواتها، فإن للسلام أيضاً أدواته، الوعي، والتعليم، والعدالة، وإرادة الشعوب الحرة.

ما نشهده اليوم في منطقتنا من حديثٍ عن السلام، ومعاهداتٍ تُوقَّع بين إسرائيل وبعض الدول، لا يمكن وصفه بالسلام الحقيقي. فطالما بقيت حقوق الفلسطينيين منقوصة، والقرارات الدولية غير مُطبقة، وحلّ الدولتين مُعطّلاً، فلن يتحقق سلامٌ دائم.
السلام العادل لا يتحقق بالقوة، بل بالاعتراف بالحقوق، وإحقاق العدل، وإعطاء كل ذي حقٍّ حقه.

كما أن فلسطين تنتظر عدلاً، كذلك القضية الكردية بحاجة إلى حلٍّ عادلٍ وشاملٍ يمنح الشعب الكردي حقوقه السياسية واللغوية والثقافية والاجتماعية كاملة.
لا يمكن الحديث عن شرقٍ أوسط مستقرٍّ ما دامت شعوبه محرومة من أبسط حقوقها، أو ما دامت الأنظمة تتجاهل مظالم شعوبها. إن استقرار تركيا وإيران والعراق وسوريا، مرهون بمدى تفهّمها لهذه الحقيقة، وبقدرتها على الاعتراف بالحقوق قبل المطالبة بالسلام.

السلام لا يُفرض من فوق، بل يُبنى من تحت، من قلب الإنسان. السلام ليس كلماتٍ منمّقة ولا صوراً رسمية، بل هو تجسيد للعدالة والكرامة والمساواة، يبدأ من القادة المتنوّرين المقتنعين بالسلام فعلاً، ثم يترسخ بجهد المثقفين والمفكرين الذين يزرعون في المجتمع فكرة التعايش والاحترام المتبادل بين الكردي والتركي، والعربي والإيراني، والمسلم والمسيحي واليهودي.

أما فلسطين، فقد مرّ أكثر من نصف قرن على معاهدات سلامٍ لم تصمد أمام أول شرارة عدوان. ما إن يُعتدى على الفلسطينيين وتُسلب حقوقهم حتى ينهار كل ما بُني على الورق، لأن السلام الذي لا يحمي الإنسان ليس سلاماً، بل هدنة مؤقتة.
السلام الحقيقي لا يكون بين الحكومات فقط، بل بين الشعوب التي تتشارك الإيمان بعدالة قضاياها وإنسانيتها.، وقديماً قيل: أيها القريب على مرمى صرخة، البعيد على مرمى عمر، إني أعلنت عليك الحب، إني أعلنت عليك السلام، إني أعلنت عليك الغفران، رغم كل ما كان وما قد يكون...
لكن كيف أُعلن عليك الحب وأنت تغتصب حقي في العيش؟ كيف أُعلن عليك السلام وأنت تقتلني وتشرد أطفالي؟ كيف أُعلن عليك الغفران وأنت تحرمني من رحمة الله في وطني؟
إن حلّ القضيتين الكردية والفلسطينية هو المفتاح الحقيقي لاستقرار المنطقة، ومفتاح سلام الجيران. ولذلك أعود لأقول: رغم كل ما كان وما مرّ، ما زلت مؤمناً بالسلام. السلام الحقيقي، السلام الإنساني الراقي، سلام الجيران... فهو الأهم.