الانتخابات البرلمانية السورية: واقع انتخابات مجلس الشعب بين الشكل والمضمون

الانتخابات البرلمانية السورية: واقع انتخابات مجلس الشعب بين الشكل والمضمون

جيهان حاجي

شهدت سوريا مؤخراً جولة جديدة من الانتخابات العامة، شملت الانتخابات الرئاسية وانتخابات مجلس الشعب، وسط ظروف سياسية وأمنية معقّدة نتيجة سنوات الأزمة المستمرة. وبينما حظيت الانتخابات الرئاسية باهتمام واسع، بقيت انتخابات مجلس الشعب في الظل، رغم أنها تمثل الإطار التشريعي الوحيد للبلاد وأحد أدوات تمثيل الشعب في النظام السياسي السوري.

انتخابات مجلس الشعب: صورة عن الديمقراطية أم مجرد تصديق؟

تثير طريقة انتخاب مجلس الشعب في سوريا اليوم جدلاً واسعاً بين المواطنين والمراقبين السياسيين، بسبب ما يراه كثيرون أنها انتخابات شكلية، تهدف إلى إضفاء مشروعية وهمية على نظام سياسي تهيمن عليه سلطة رئاسية مطلقة. فالتاريخ السياسي لمجلس الشعب السوري، منذ الاستقلال وحتى اليوم، يؤكّد أنه لم يكن أداة حقيقية للتعبير عن إرادة الشعب.
لم يشهدِ المجلسُ على مدار العقود الماضية أيّ قرار أو موقف معارض أو مستقل عن رغبة السلطة التنفيذية، بل كان في معظم الأحيان مجرد هيئة تصديق على قرارات الرئاسة، ومنبرًا لتكرار خطاب النظام السياسي، وهو ما يجعل الكثيرين يرونه مشهداً مسرحياً يعكس الديمقراطية الشكلية الموهومة.

أسباب الاعتراض على آلية انتخاب مجلس الشعب

ينبع اعتراض كثير من السوريين على طريقة انتخاب مجلس الشعب من واقع أن النظام السوري يعزّز من هيمنة الرئيس على كلّ مفاصل السلطة، الأمر الذي يحول المجلس إلى هيئة شكليّة ذات صلاحيات محدودة، ولا يملك استقلالية فعلية في صنع القرار. كما تثير الشفافية ومصداقية الانتخابات انتقادات واسعة، خاصة مع القيود المفروضة على حرية التعبير، الصحافة، والمراقبة المستقلة.

على الرغم من تعدُّد الأحزاب السياسية على الورق، إلا أن تمثيل المعارضة الحقيقية يظل محدوداً، مما يعزز من صورة مجلس الشعب كواجهة سياسية بغير محتوى ديمقراطي حقيقي.

الموقف من مشاركة الأحزاب الكردية والأقليات في الانتخابات

تمثل مكونات الشعب السوري المتنوعة، وعلى رأسها الكورد أحد أهم التحديات أمام العملية السياسية السورية. فعلى الرغم من التواجد الديمغرافي الكبير للكورد في غرب كوردستان تعاني هذه المناطق من تهميش إداري وسياسي مستمر، مما أثار اعتراضات من بعض الأحزاب الكردية التي اختارت مقاطعة الانتخابات، احتجاجاً على غياب ضمانات حقيقية لحقوقهم السياسية والثقافية.

بالمقابل، شاركت أحزاب كردية أخرى في الانتخابات، مؤمنةً بأن المشاركة السياسية ضمن المؤسسات الرسمية قد تشكل خطوة نحو تعزيز التمثيل وتحقيق مطالب شعبية مشروعة. ومع ذلك، يبقى التجاهل المتكرر لمطالب الكورد والأقليات الأخرى في المشاركة السياسية الحقيقية عاملاً يهدد الاستقرار الوطني ويعزز من أزمات الانقسام.

أهمية مشاركة الكورد والأقليات

إن شمولية التمثيل السياسي لجميع مكوّنات المجتمع السوري، بما في ذلك الكورد والأقليات الأخرى، هو ركيزة أساسية لأي حل سياسي شامل ومستدام. فعدم الاعتراف بحقوق هذه المكوّنات وحرمانها من المشاركة الفعالة يزيد من التوترات الاجتماعية، ويعرقل جهود المصالحة الوطنية.

من هذا المنطلق، يجب أن تترافق الانتخابات مع ضمانات دستورية وسياسية واضحة، تتيح مشاركة عادلة وحقيقية لجميع مكونات الشعب السوري، ما يعزز فرص بناء دولة مدنية ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان وتحقق العدالة الاجتماعية.

وجهة نظر شخصية: الأولويات الوطنية

بالرغم من أهمية الانتخابات والتمثيل البرلماني، فإن الأولوية القصوى في الواقع السوري الحالي يجب أن تكون وقف العنف وحماية المدنيين وحقن الدماء. ففي النهاية، لا قيمة لأي دستور أو مجلس نواب أو نظام سياسي ما لم يُحترم حق الإنسان في الحياة والأمان.

المهم هو حماية المواطنين من الانتهاكات اليومية، ووقف ممارسات الاختطاف، الاعتقال، والتعذيب، التي أرهقت المجتمع السوري، خصوصاً النساء والأطفال. ويجب أن تبقى هذه الأولويات فوق كل الاعتبارات السياسية الشكلية، فدماء وأرواح الناس أغلى وأهم من كل الهيئات الرسمية وأي نظام سياسي.

الخاتمة: الطريق نحو برلمان فعّال ومستقبل سوري شامل

يبقى مجلس الشعب في سوريا، حتى الآن، مؤسسة ذات صلاحيات محدودة، وتغلب عليه طابع التبعية للسلطة التنفيذية. ولا يمكن أن يتغير هذا الواقع إلا من خلال إصلاحات سياسية جذرية تعيد توزيع السلطات وتفتح المجال أمام التعددية السياسية الحقيقية.
وفي ظل هذه الظروف، فإن تحسين مشاركة الكورد والأقليات، وضمان تمثيل عادل لهم، سيكون مفتاحاً أساسياً لتعزيز الوحدة الوطنية وتحقيق الاستقرار. سوريا بحاجة إلى برلمان يعكس حقيقة إرادة شعبها، لا مجرد أداة تصديق على قرارات السلطة، وإلى نظام سياسي يحترم الحقوق والحريات.

فإذا أرادت سوريا أن تبني مستقبلها على أسس ديمقراطية ومواطنة متساوية، فلا بد أن تبدأ بالاعتراف بحقوق جميع مكوناتها، وبإنهاء العنف، وتوفير الأمان لكل مواطن، قبل الخوض في أي نقاشات شكلية عن انتخابات أو نظام حكم.