سوريا... مَنْ يلاعبُ مَنْ؟!

سوريا... مَنْ يلاعبُ مَنْ؟!

حسين موسى

لقد شهدت الساحة السورية تنافسًا بين لاعبين دوليين كُثر، بينما ظلّ المرمى بلا سند واضح. فإذا تحدّثنا عن الدور الأمريكي، نجد أنه استفاد ماليًا من الدول الداعمة للنظام القائم، دون أن يقدم شيئًا حقيقيًا للشعب السوري، بل ظلّ يغيّر مواقفه تبعًا لمصالحه في كل مرحلة.
بينما إسرائيل أخذت حصتها من سوريا في السويداء والجولان والقنيطرة، وأمريكا استفادت من واردات النفط من مدينة ديرك حتى كوباني، وروسيا عادت إلى الساحل واستفادت من ميناء طرطوس، وتركيا احتلت عفرين ورأس العين وتل ابيض لذلك سوف تخرج منها.

تركيا، قدّمت تنازلات كثيرة طمعًا في الإمساك بزمام الأمور داخل سوريا، واحتلت مناطق واسعة من شمال البلاد. ومع ذلك، لم تحصد النتائج التي كانت تطمح إليها. وفي المقابل، كانت روسيا في البداية خارج إطار اللعبة السياسية، لكنها عادت بقوة إلى الواجهة مع زيارة رئيس سوريا للمرحلة الانتقالية إلى موسكو، حيث صرّح الرئيس الروسي بأنه لم يكن على علم بما كان يفعله نظام الأسد، وأنه سيعمل على تقديمه إلى العدالة. وهكذا استعادت روسيا دورها، وأكدت حضورها كلاعب محوري في الملف السوري، وفي الوقت ذاته كان لروسيا دور أساسي في استدامة حكم الأسد منذ عام 2015 وحتى سقوطه، ولم يبقَ سلاح حديث، لم تجرّبه الطائرات الروسية على رؤوس المدنيين السوريين، وكان "الثوار" في ريف دمشق على مرمى حجر من قصر الشعب في دمشق.
أما إيران، التي كان لها الدور الأبرز في القتل والدمار، فتبدو الآن بعيدة عن الواجهة، رغم أنها كانت الحليف الأكثر ثباتًا للنظام السوري السابق. وهنا يبرز السؤال: لماذا سمحت أمريكا بعودة روسيا إلى الساحة السورية، وهي التي حمت النظام من السقوط في مراحل سابقة؟ الجواب يكمن في أن واشنطن أرادت إعادة شريك جديد إلى الساحة السورية لتقليص النفوذ التركي، بعد أن كانت أنقرة تظن أنها أقنعت أمريكا بمنحها "حصة الأسد" في سوريا.
ربما نشهد لاحقًا توسّعًا في النفوذ الإيراني بدعم أمريكي غير مباشر، عبر تمكين تيارات شيعية لإعادة التوازن الديني، تمهيدًا لإعادة التوازن السياسي. إنّ المعركة اليوم هي معركة "من يلاعب من؟" تركيا، روسيا، أمريكا، فرنسا، بريطانيا، والدول الخليجية التي لم يعد لها دور يُذكر في الساحة السورية. وكلّ طرف يسعى لفرض نفوذه بطريقته الخاصة، بينما يبقى الشعب السوري الخاسر الأكبر في لعبة الأمم هذه.
في غربي كوردستان، جاءت التصريحات الروسية الداعمة للقوات الكوردية لتعبّر بوضوح عن استيائها من تركيا، بعد أن أنهت الأخيرة علاقاتها الاقتصادية مع موسكو واتّجهت نحو التعاون مع واشنطن. لذلك، أعادت أمريكا روسيا إلى الواجهة لموازنة الدور التركي، عبر صفقات تجارية وسياسية تهدف إلى إعادة ترتيب النفوذ في سوريا وفق مصالح مشتركة لا تراعي إرادة السوريين.
يبدو أن الحل النهائي الذي تسعى إليه هذه القوى هو اعتماد نظام الفدرلة في سوريا، كصيغة لتقاسم النفوذ بين الأطراف الدولية والإقليمية، والتخلّص من الهيمنة الثلاثية لكل من تركيا وروسيا وإيران، التي ما زالت تبحث عن موطئ قدم دائم في الأراضي السورية.
في المحصلة، تبدو سوريا اليوم ساحةً مفتوحةً لتقاطع المصالح الدولية، حيث تتبدّل التحالفات، وتُرسم الخرائط من جديد. وبين طموحات القوى الكبرى وصمود الشعوب.
يظلّ السؤال مفتوحًا: مَنْ يلاعبُ مَنْ؟ ومَن سيربح الجولة الأخيرة؟