توحّد الكورد وتعاضد الأقليات في وجه التهميش
د. كاميران حاج عبدو
في خضمّ التحوّلات الجذرية والعاصفة التي شهدتها الساحة السورية على مدى أكثر من عقد، شكّل سقوط نظام حزب البعث وهروب رئيسه بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٤ محطةً مفصلية في مسار الأزمة السورية. فقد دخلت البلاد مرحلة سياسية جديدة اتسمت بدرجة عالية من الضبابية والتعقيد، واتخذت مساراً يعيد إنتاج نهج الإقصاء بحقّ المكوّنات القومية والدينية والسياسية المختلفة، متجاهلةً الطبيعة التعدّدية للمجتمع السوري، ومتنكّرةً لمبادئ الحرية والعدالة والمساواة التي ناضل السوريون والسوريات طويلاً في سبيلها، وقدّموا ثمناً باهظاً لأجلها.
في هذا السياق، سارعت هيئة تحرير الشام إلى الاستيلاء على مقاليد السلطة، معلنةً تشكيل ما أسمته «الحكومة الانتقالية»، في محاولة لتقديم نفسها كبديل سياسي وإداري للنظام السابق الذي حكم البلاد بقبضة أمنية مركزية لعقود طويلة. غير أنّ هذا التطوّر لم يُفضِ إلى بناء مشروع وطني جامع، بل عمّق الانقسام السياسي والاجتماعي، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع على الشرعية والتمثيل السياسي.
فالتجربة الوليدة لم تنجح في ترسيخ صورة إيجابية أو توافقية بين مختلف المكوّنات السورية. فقد بدا منذ الأسابيع الأولى أن الأداء السياسي والإداري للحكومة الانتقالية يعاني من إشكالات بنيوية عميقة، أبرزها غياب الرؤية الوطنية الجامعة، وتركّز آليات صنع القرار بشكل مركزي، وفي نطاق ضيّق مع غياب المشاركة الحقيقية للمكوّنات المختلفة، وهيمنة توجّه أيديولوجي ضيّق لا يراعي التعدّدية الديموغرافية والثقافية والدينية للمجتمع السوري. وقد رافق هذا التحوّل تراجع ملحوظ في مكانة المرأة ودورها في الحياة العامة، إذ أُقصيت عن مواقع صنع القرار، وحُرمت من فرص المشاركة المتكافئة في المجتمع والدولة.
وتجلّت أبرز مظاهر هذه الإشكالات في طريقة تعاطي الحكومة مع المكوّنات السورية غير السنية وغير العربية، ولا سيما الأقليات العلوية والدرزية والمسيحية، التي عانت من تهميشٍ متزايدٍ وشكوكٍ عميقة حيال نوايا السلطة الجديدة. كما برزت القضية الكردية كإحدى أكثر الملفات الوطنية تعقيداً وحساسية، نظراً لتاريخها الطويل من التهميش السياسي والإداري، وارتباطها بمطالب قومية وإدارية لا يمكن تجاوزها ضمن أي مشروع وطني مستقبلي.
بناءً على ما سبق، تجد سوريا نفسها أمام معادلة انتقالية بالغة التعقيد: سلطة جديدة تسعى إلى فرض شرعيتها في ظل فراغ سياسي وأمني غير مسبوق، ومجتمع متنوع الهويات يطالب بضمانات حقيقية للمشاركة والعدالة والمساواة. وفي غياب مقاربة شاملة تراعي هذا التنوّع المجتمعي والتاريخي، يبقى مستقبل التجربة الانتقالية مفتوحاً على جميع الاحتمالات، ورهيناً بقدرة السلطة الجديدة على تجاوز اختلالاتها البنيوية، وتطوير نموذج حكم تشاركي قادر على تحقيق الاستقرار وإعادة بناء الدولة. ومن دون تحقيق هذا التحوّل البنيوي، فإن أيَّ مسار سياسي مستقبلي سيظلُّ هشاً وقابلاً للانهيار أمام التحديات الداخلية والتجاذبات الإقليمية والدولية، ما يجعل من هذه المرحلة لحظة مفصلية في رسم ملامح سوريا الجديدة.
لقد أدّت هذه السياسات الإقصائية، ومحاولات فرض لون قومي وديني وطائفي واحد، إلى توليد حالة من التكتل والاصطفاف المضاد بين المكوّنات المهمّشة. وهكذا تحوّل الشعور بالعزلة إلى حافز لتقوية الروابط البينية، بما يمهّد الطريق لظهور استجابات جماعية واضحة من الأقليات، وفي مقدمتها المكوّن الكردي.
أولاً: تعاضد الأقليات وتعميق الهوية الجمعية
من المفارقات السياسية أن ممارسات الحكومة الانتقالية، التي اتسمت بالتهميش وعدم الاعتراف الحقيقي بالتنوّع السوري، دفعت الأقليات – من مسيحيين وعلويين ودروز وغيرهم – إضافة إلى المكوّن الكوردي، إلى الاقتراب من بعضها البعض أكثر من أي وقت مضى. وليس ذلك فحسب، بل إن بعض أبناء وبنات المكوّن العربي السني الذين يؤمنون بالديمقراطية والدولة المدنية والمساواة بين المكوّنات، ويفضّلون فصل الدين عن الدولة، من المرجّح أن ينضمّوا إلى هذا الاصطفاف يوماً بعد يوم، ليشكّلوا معاً الأكثرية في سوريا. فالاستبعاد، كما هو معروف، لا يضعف الجماعات بل كثيراً ما يعزّز تماسكها الداخلي ويقوي شعورها بالانتماء الجمعي في مواجهة الأخطار المشتركة.
لقد وفّرت هذه الحالة للأقليات، التي لا تعاني من التهميش فحسب، بل تواجه أيضاً أشكالاً متعددة من العنف، نوعاً من “الاستنفار الدفاعي” استعداداً لأية محاولات لإقصائها من مستقبل البلاد السياسي والاجتماعي. ورغم أن هذا التعاضد جاء كردّ فعل على سياسات غير منصفة، إلا أنه يمكن أن يشكّل مكسباً حقيقياً إذا أُحسن توظيفه لاحقاً لبناء عقد اجتماعي جديد يقوم على الاعتراف المتبادل، والمواطنة المتساوية، وضمان الحقوق في إطار دولة مدنية تعددية.
ثانياً: توحيد الصف الكوردي وتعزيز الموقف السياسي
الانعكاس الأبرز تمثّل في أن تهميش الكورد من قبل الحكومة الانتقالية، إلى جانب الانتهاكات التي ارتكبتها الفصائل المحسوبة على الجيش، لم يؤدِّ إلى تفكك الصف الكوردي، بل ساهم في توحيده وتقريب مكوّناته السياسية والاجتماعية. فالكورد، وهم يدركون حجم التُحديّات المحيطة بقضيتهم، وجدوا أنفسهم أمام واقع لا يمكن التعامل معه إلا من خلال خطاب موحّد وتنسيق داخلي غير مسبوق.
لقد تقلّصت الفوارق الحزبية والأيديولوجية، وبرزت حالة عامة من التوافُق حول ضرورة انتزاع الحقوق القومية الكوردية ضمن إطار دولة سورية ديمقراطية لا مركزية. وهنا تبرز مسؤولية الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، فهما مدعوتان الانفتاح على جميع القوى والأحزاب والشخصيات الكوردية دون استثناء أو إقصاء، تمهيداً لبناء وحدة كوردية سياسية وجغرافية حقيقية وشاملة، على أساس مخرجات كونفرانس وحدة الصف والموقف الكوردي الذي عُقد في ٢٦ نيسان ٢٠٢٥.
ويجب أن تتجسّد هذه الوحدة في رؤية وبرنامج سياسيين واضحين يشكّلان أساساً لأي تفاوض جاد حول مستقبل سوريا وكوردستان سوريا، مع الأخذ في الاعتبار الحقائق التاريخية والجغرافية والبشرية للبلاد. وهذه الوحدة ينبغي أن تتجاوز الشعارات التي لا تنسجم مع حقيقة القضية الكوردية في سوريا، سواء من حيث بعدها السياسي أو الجغرافي، وفي مقدمتها مقولتا «الأمة الديمقراطية» و«شمال وشرق سوريا»، اللتان لا تعبّران بدقة عن جوهر القضية الكوردية ولا تعكسان واقعها التاريخي والجغرافي والسياسي.
إن السعي الكوردي لنيل الحقوق القومية لا يتعارض مع حقوق باقي المكوّنات السورية، بل يمكن أن يشكّل نموذجاً يُحتذى به في بناء شراكة وطنية عادلة. فإرساء نظام لا مركزي حقيقي يعترف بالتعدّد القومي والثقافي لا يهدّد وحدة البلاد، بل يعزّزها ويمنحها طابعاً ديمقراطياً متيناً.
وعليه، فإن أية وحدة كوردية نضالية لا يمكن أن تكون انعزالية، بل يجب أن تكون منفتحة على بقية المكوّنات السورية، قائمة على الاحترام المتبادل وضمان الحقوق، بما يرسّخ مفهوم الشراكة الوطنية لا الغلبة.
لقد كان لسياسات الحكومة الانتقالية تجاه المكوّنات السورية أثرٌ مباشر في إعادة رسم ملامح المشهد السياسي والاجتماعي. فالأقليات باتت أكثر تماسكاً، والكورد أكثر توحّداً. غير أن القيمة الحقيقية لهذه اللحظة تكمن في تحويلها من ردّ فعل دفاعي إلى مشروع وطني جامع يقوم على العدالة، والتعدّدية، والمواطنة المتساوية. وحدها هذه المقاربة يمكن أن تفتح أفقاً لسوريا جديدة تتجاوز صراعاتها، وتبني عقداً اجتماعياً راسخاً يضمنُ حقوقَ الجميع على الصعيدين الفردي والجماعي، ويعيد للبلاد وحدتها المجتمعية والسياسية بشكل مستدام.