جيل 1900… حين كان العالم ينهار، وكان الكورد يُتركون خارج التاريخ
ماهين شيخاني
تخيّل أنك وُلدت في عام 1900. ستفتح عينيك على قرنٍ مضطرب، يفيض بالحروب والأوبئة والانقلابات، وتعيش تحوّلات كبرى تهزّ العالم من جذوره. في الرابعة عشرة من عمرك ستسمع دويّ الحرب العالمية الأولى، التي ستحرق أوروبا وتغيّر وجه الأرض. وما إن تنطفئ نيرانها حتى يفتك بالبشر وباء الإنفلونزا الإسبانية، فيموت الملايين بلا وداع.
وفي أواخر العشرينات، وأنت تحاول التقاط أنفاسك، ينهار الاقتصاد العالمي، وتنهار معه أحلام جيلٍ كامل. ثم تأتي الحرب العالمية الثانية لتكمل الدائرة: مدن تُدمّر، وشعوب تُباد، وملايين القتلى يملؤون سجلات التاريخ.
لكن وسط هذه المآسي الكبرى، ثمة مأساة أعمق لم تُذكر في كتب التاريخ إلا على الهامش: مأساة الكورد.
فحين سقطت الدولة العثمانية، بدا أن ساعة ولادة الدولة الكوردية قد اقتربت. معاهدة سيفر عام 1920 وعدت الكورد بحق تقرير المصير، لكن الوعد تلاشى سريعاً في لوزان عام 1923. وبينما كانت أوروبا تُعيد ترتيب خرائطها، وتمنح الشعوب أوطاناً جديدة، كان الكورد يُقتطعون من خرائط المنتصرين، ويُوزّعون بين تركيا والعراق وسوريا وإيران، كما تُوزَّع الغنائم.
جيل الكورد المولود عام 1900 لم يعش فقط أهوال الحربين، بل عاش أيضاً خيبة التاريخ. رأى شعوباً تنهض من تحت الركام لتبني دولاً، بينما كان هو يُمنع حتى من لغته وأغانيه وأعياده. عاش مُطارداً في الجبال، ومهمَّشاً في المدن، وممنوعاً من أن يكون ما هو عليه.
ومع ذلك، لم ينكسر.
ذلك الجيل حمل شعلة البقاء، وصمد بإرادته وحدها في وجه قرنٍ كاملٍ من الإنكار. علّم أبناءه اللغة رغم المنع، واحتفل بنوروز رغم القمع، وحافظ على هويته كمن يحرس ذاكرة الحياة نفسها.
القضية الكوردية لم تنشأ من فراغ، ولم تكن نزوة سياسية أو مشروعاً عابراً. إنها نتاج قرنٍ من الوعود المكسورة، والخرائط التي رُسمت فوق جراح الناس لا بأقلام العدالة. جيل 1900 عاش كل مآسي البشرية، لكنه لم يذق يوماً طعم العدالة الدولية التي تغنّت بها الأمم بعد الحربين.
واليوم، ونحن نعيش أزماتنا الجديدة وحروبنا الصغيرة، يجدر بنا أن نتذكر أولئك الذين عاشوا جحيم القرن الماضي ولم ييأسوا. أولئك الذين آمنوا أن البقاء نفسه شكلٌ من أشكال المقاومة، وأن الكلمة يمكن أن تصمد مثل السيف إن حملتها إرادة حرة.
القضية الكوردية ليست ورقة تفاوض ولا ملفاً سياسياً يُؤجَّل في المؤتمرات. إنها قصة جيلٍ كاملٍ من البشر، عاش الحروب والمجاعات والأوبئة، لكنه لم يتخلّ عن حلمه بأن يكون له وطن.
هي قصة الذين تركهم التاريخ خلفه… لكنهم ما زالوا يكتبونه بأيديهم.