مرارة الأمل.. حين ينقلب وجعًا
شاهين باجو
لا تُحدّثني عن القهر ما لم تسلك دروبه، فما أقسى أن تمضي عمرك بكامله تُدير ظهرك للعلاقات، لا عن خوفٍ صغير، بل عن بصيرةٍ تُدرك هشاشة القلوب حين تُسلَّم لغير أهلها.
تحفظ نفسك من الانكسار، وتشيّد حول روحك حصونًا من العزلة، تظنّها الأمان الأخير.
ثمّ في لحظة تُشبه القدر، تظن أنك وجدت العوض، فتفتح قلبك لأول مرّة، وتسلّم مفاتيحك بطمأنينة نادرة، كأنك عثرت أخيرًا على الوطن الذي طال انتظاره. لكنك تُفاجأ بأن ما حسبته عوضًا ليس إلا امتحانًا آخر، أشدّ مرارة، وأقسى وطأة. فإذا بالقلب الذي وثق، يشتعل بحرقةٍ لا يُطفئها ماء، وإذا بالروح التي ظنّت أنها بلغت المرفأ، تُلقى من جديد في بحر التيه.
إنّ القهر ليس في الخيانة وحدها، بل في سقوط المعنى نفسه؛ أن ترى الحلم الذي منحته عمرك يتبخّر، أن تُدرك أنك أعطيت قداسة صدقك لإنسان لم يُدرك إلّا كيف يهدمك.
القهر أن تفهم متأخرًا أنّك كنت تُصارع وهمًا،
وأن ما خُيّل إليك أنه ملاذٌ لم يكن سوى ممرّ إلى جُرحٍ أعمق.
وهنا، يبدأ السؤال الفلسفي الأكبر:
ما قيمة الحب إذا لم يكن أمانًا؟
ما جدوى العوض إذا تحوّل عبئًا أثقل من الوحدة؟
أكان كل ما حدث مصادفة عابرة، أم ضرورة كونية أرادت أن تُعلّمك أنّ النجاة ليست في الآخرين، بل فيك أنت؟
وتبقى الندبة شاهدًا على أنّ كل ما يُشبه العوض قد يكون مجرّد قناع، وأن الدرس الأثمن هو أن تُدرك أنّك، رغم الجراح، ما زلت قادرًا على الوقوف.
فالمعاناة ليست إلا بابًا آخر نحو وعيٍ أعمق، ونجاةٍ أكثر صلابة.