نسيان الكبار... وجع الذاكرة الكردية: أحمد شيخ صالح نموذجًا
نجاح هيفو
كم مرة سمعنا أغنية كردية تفيض شجنًا!! تُغمر أرواحنا بنبضٍ من الجبل والحنين، دون أن نتساءل: من كتب هذه الكلمات؟ من صاغ هذا الوجع بلغةٍ من نارٍ وماءٍ، ليُغنّى على مسارح الوجود وكأنه نشيدٌ أزلي؟
نحفظ أسماء المغنين، نردد ألحانهم في الأفراح والمناسبات، نلوّح بأيدي الفرح ونحن نغني كلماتٍ لا نعرف صاحبها. نحتفي بالصوت وننسى الكلمة، نكرّم من أدّى ،ونغفل من أبدع. وكأن الشعر، أصلُ الغناء، قدرُه أن يُدفن تحت لحنٍ جميل.
أحد أولئك الذين غابوا عن الضوء رغم سطوعهم، هو الشاعر الكردي الكبير أحمد شيخ صالح (1935 – 2017)، ابن قرية عين ديوار في ديرك.
كان معلّمًا في زمنٍ كان التعليم فيه رسالة مقاومة، وشاعرًا في عصرٍ كانت الكلمة فيه تُحاسب كالرصاصة، ومناضلًا لم يعرف الانحناء إلا في وجه القصيدة.
صاغ وجدان جيلٍ كامل من أبناء كردستان سوريا بالكلمة والموقف، وجعل من الشعر مرآةً للكرامة والهوية والذاكرة الجمعية.
كتب بالعربية والكردية، وغنّى كلماته كبار الفنانين مثل محمد شيخو وسعيد كاباري، فصارت قصائده أناشيد تتناقلها الألسن، وألحانًا تملأ البيوت دفئًا ودمعًا.
ومع ذلك، لم يُذكر اسمه كثيرًا إلا عند المهتمين بالتاريخ الثقافي الكردي، وكأن الشهرة لم تكن حليفته، أو لعلّ الزمن نفسه اختار أن يُخفي بعض الأضواء كي يختبر وفاءنا للذاكرة.
لقد أنصفه بعض الأدباء في حياته، فكرّموه ومنحوه جائزة، لكن الإنصاف الحقيقي لا يُقاس بالتكريم المؤقت، بل بما يخلّده الوعي الجمعي.
وهنا تكمن مأساتنا نحن الكرد: أننا نُحب الأغاني الثورية، ونحمل رموز النضال في قلوبنا، لكننا نغفل عن صنّاع المعنى الحقيقيين — أولئك الذين أعطوا الكلمة شكلها، واللحن روحها، والقصيدة عمرها الطويل.
إن الحديث عن أحمد شيخ صالح ليس مجرد استذكارٍ لشاعرٍ راحل، بل هو وقفة ضمير أمام وجع الذاكرة الكردية.
ذاكرتنا التي نُهبت مرتين: مرة بالتهميش السياسي حين مُنع الحرف الكردي من الظهور، ومرة بالنسيان الشعبي حين سمحنا للغناء أن يطغى على الكلمة، وللصوت أن يُغرق صاحبه في الظل.
فكل أغنية نسمعها دون أن نبحث عن كاتبها، وكل بيت شعر يُتداول دون توقيع، هو خسارة صغيرة في معركةٍ كبرى ضد النسيان.
فلنكتب.
ولنُعرّف.
ولنُعلّم أبناءنا أن وراء كل أغنية جميلة شاعرًا مجهولًا، وأن وراء كل لحنٍ عذب قلبًا نزف الكلمات قبل أن تعزف الأوتار.
إن إعادة الاعتبار لأسماء مثل أحمد شيخ صالح ليست ترفًا ثقافيًا، بل واجب أخلاقي وتاريخي تجاه ذاكرةٍ تُحارب لتبقى.
رحم الله أحمد شيخ صالح الشاعر الذي غنّى الوطن بصمتٍ، فأنكرناه بالنسيان... لكنه ظلّ حاضرًا في وجدان الكلمة التي لا تمو