مطار قامشلو بعد البعث.. نفوذ روسيا وترسيخ التحالف الجديد
أحمد آلوجي
بعد سقوط حزب البعث، وبروز ما يُعرف بـ«القيادة الراديكالية الجديدة» في دمشق، برز الوجود الروسي في مطار قامشلو الدولي كأحد أهم الأدوات التي حافظت من خلالها موسكو على نفوذها في الساحة السورية.
يقع المطار في منطقة تتقاطع فيها مصالح دولية وإقليمية معقّدة؛ بين النفوذ الأميركي وقوات سوريا الديمقراطية من جهة، والوجود التركي على الحدود الشمالية من جهة أخرى. وقد جعل هذا الموقع الاستراتيجي من المطار قاعدةً متقدمة لروسيا في منطقةٍ كانت على وشك الانفلات الأمني والسياسي عقب تفكك المنظومة القديمة، كما أتاح لها مراقبة النشاط العسكري لمختلف الأطراف والتحكم في خطوط الإمداد والتوازنات الميدانية.
عملت موسكو على تطوير البنية التحتية للمطار وتعزيزه بوحدات دفاع جوّي وأنظمة مراقبة متقدمة، ليصبح حلقة وصل رئيسية بين قاعدة حميميم في الساحل والمناطق الشرقية الغنية بالنفط والموارد. ولم يكن ذلك مجرّد تحرك عسكري، بل جزء من رؤية روسية أشمل لتحويل قامشلو إلى مركز نفوذ استراتيجي تتحكم من خلاله موسكو في توازن القوى داخل المنطقة الكردية، بما يضمن لها دورا دائمًا في إدارة التفاعلات السياسية والأمنية في شمال وشرق البلاد.
في هذا الإطار، كثّفت القيادة الجديدة في دمشق زياراتها الرسمية إلى موسكو لإعادة صياغة العلاقات الثنائية ضمن معادلات جديدة تراعي التحولات الإقليمية والدولية. ولم تعد تلك الزيارات تقتصر على التنسيق الميداني، بل تحوّلت إلى مفاوضات سياسية واقتصادية شاملة تناولت ملفات الأمن والطاقة وإعادة الإعمار، إلى جانب مستقبل الوجود الروسي في البلاد.
فدمشق، التي خرجت من مرحلة البعث مثقلة بديون الحرب وبعزلة سياسية خانقة، وجدت في موسكو مظلةً واقية تضمن لها الاستمرارية والاعتراف الدولي، فيما رأت روسيا في سوريا قاعدة دائمة لترسيخ حضورها في الشرق الأوسط وموازنة النفوذين الأميركي والتركي.
في خضم هذا التوازن الدقيق، تبرز موسكو اليوم كوسيط ميداني محتمل بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والسلطة بدمشق ممثلةً بحكومة الشرع، ضمن مساعٍ تهدف إلى إعادة افتتاح مطار قامشلو أمام الرحلات المدنية. وتندرج هذه المساعي ضمن استراتيجية روسية أوسع لإعادة تنشيط المرافق الحيوية في الشمال الشرقي، وتهيئة الأرضية لمرحلة من الانفتاح التدريجي بين الأطراف المحلية، بما يعزز الاستقرار ويكرّس النفوذ الروسي في المنطقة.
بل إن موسكو تسعى، وفق مصادر ميدانية، إلى توسيع هذا الدور ليشمل الإشراف على فتح بعض المعابر البرية، وعلى رأسها معبر نصيبين – قامشلو، الذي يمثل شرياناً اقتصادياً واجتماعياً حيوياً للمنطقة بأسرها. ومن المتوقع أن يشكّل إعادة تشغيله خطوة رمزية باتجاه مرحلة جديدة من التوازن والتنسيق بين مختلف القوى المحلية والإقليمية.
في السياق ذاته، يُرجّح أن يتحول مطار قامشلو إلى صلة وصل استراتيجية واقتصادية بين إقليم كوردستان ومناطق «غربي كوردستان» ودمشق، الأمر الذي سيمنح المطار بُعداً جيوسياسياً جديداً يتجاوز طابعه العسكري نحو دورٍ تكاملي في ربط المراكز الاقتصادية والسياسية الكردية والعربية ضمن منظومة إقليمية واحدة.
من الجدير بالذكر أن زيارة الشرع الأخيرة إلى موسكو جاءت في هذا السياق المتشابك، إذ هدفت – وفق ما تسرّب من أوساط دبلوماسية – إلى حثّ القيادة الروسية على لعب دور الوسيط في ملفات الجنوب السوري، حيث تتصاعد التوترات الأمنية والاجتماعية هناك. وتشير بعض المصادر إلى أن هذه المساعي قد جاءت بموافقة غير معلنة من واشنطن، في محاولة لإيجاد تسوية تدريجية تُبقي النفوذ الروسي قائما دون أن يتعارض مع التفاهمات الأميركية حول استقرار الجنوب.
بالتالي سيتحوّل مطار قامشلو، في ظل هذه المعادلة، إلى رمزٍ للتحالف الجديد بين موسكو ودمشق، وإلى قاعدة نفوذ روسية تتجاوز وظيفتها العسكرية نحو دورٍ سياسي وأمني متنامٍ. ويصبح من خلاله الوجود الروسي أداةً لإدارة علاقات دمشق مع القوى الفاعلة في الشمال والشرق السوري. ومع اتساع دوائر المصالح المشتركة، فإن القيادة الراديكالية الجديدة ستجد في موسكو ضمانةً لبقاء الحكم واستقرار البلاد، في حين تعتبر روسيا وجودها في قامشلو بوابةً دائمة نحو المتوسط والحدود العراقية والتركية.
وهكذا، فإن مرحلة ما بعد البعث لم تكن قطيعةً مع التحالف الروسي، بل محطة لترسيخه وتعميقه. فقد نجحت موسكو في الانتقال من موقع الداعم لنظامٍ سقط حديثاً إلى شريك ثابت لقيادة جديدة أكثر تشدداً وأشدّ حاجةً للحماية. ومع استمرار تمركزها في مطار قامشلو، تتكرّس روسيا كقوة ميدانية وسياسية تراقب ميزان القوى في شمال وشرق البلاد، وتعيد عبر أدواتها العسكرية والدبلوماسية رسم خرائط النفوذ والتحالفات في سوريا.