بين شيخ مقصود ودمشق: مفاوضات توم باراك وإعادة تدوير النظام على حساب الحقوق الكوردية
صديق شرنخي
شهدت الأيام الأخيرة تطوراتٍ متسارعةً في مناطق شيخ مقصود والأشرفية في حلب، حيث تصاعدت التوترات الأمنية بين قوى الأمن الداخلي (الآسايش) وبعض وحدات الجيش السوري، قبل أن يتم احتواء الموقف بوساطة مباشرة من التحالف الدولي.
تزامن ذلك مع اجتماعٍ سياسي وأمني رفيع في غرب كوردستان جمع بين توم باراك، المبعوث الأمريكي غير الرسمي وعرّاب المرحلة الانتقالية السورية، وقائد قسد مظلوم عبدي، إلى جانب ضباط أمريكيين كبار، تمهيدًا لاجتماع لاحق في دمشق مع أحمد الشرع، الذي يُنظر إليه اليوم كواجهة سياسية للنظام السوري الجديد المحتمل.
المحادثات التي جرت خلف الأبواب المغلقة، والتي تسرّبت بعض تفاصيلها، كشفت عن اتفاقٍ مبدئي لتنفيذ بنود «عهد ١٠ آذار»، وهو التفاهم الذي جرى الحديث عنه منذ سنوات كأرضية محتملة لتقاسم السلطة والإدارة بين المركز وشرق الفرات. غير أن مضمون الاتفاق الأخير، وفق ما تسرّب، حمل الكثير من التنازلات المقلقة من جانب الإدارة الذاتية، وتحديدًا في القضايا السيادية والاقتصادية والأمنية.
فبحسب المعلومات، يقضي الاتفاق بتسليم المعابر القديمة ومطار قامشلي ودوائر الدولة المركزية للحكومة في دمشق، وإعادة هيكلة بعض المؤسسات الإدارية بما يعيد جزءًا كبيرًا من سلطة النظام المركزي إلى تلك المناطق. الأخطر من ذلك، أن الاتفاق يشمل نسبة كبيرة من عائدات النفط والغاز في الحسكة ودير الزور، لصالح حكومة دمشق، مع دمج بعض الوحدات الأمنية والعسكرية ضمن أجهزة النظام، تحت غطاء «التنسيق المشترك».
من الواضح أن الخطوة تمثل تحولًا نوعيًا في تماهي الآسايش مع الأجهزة الأمنية الرسمية، وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل المشروع الذاتي في روج آفا. فبينما كانت الإدارة الذاتية في بداياتها ترفع شعار «اللامركزية الديمقراطية»، نجدها اليوم تعيد إنتاج العلاقة القديمة بين الدولة والمجتمع المحلي، ولكن بثوبٍ جديد.
في مقابل كل تلك التنازلات، لم تُدرج في جدول المفاوضات أي من القضايا الجوهرية التي شكّلت لبّ النضال الكوردي لعقود، وعلى رأسها قضية الحزام العربي وملف الأراضي المصادرة منذ ستينيات القرن الماضي.
حين أطلق النظام البعثي مشروع الحزام العربي في الجزيرة الكوردية، صودرت أكثر من سبعة آلاف وسبعمائة هكتار من أجود الأراضي الزراعية التي كان يملكها الفلاحون الكورد، وسُلّمت لمستوطنين عرب تم جلبهم من مناطق الرقة والطبقة بحجة «الغمر»، وتم بناء نحو سبعين قرية وقصبة على أراضي الكورد الأصلية.
كنتُ شخصيًا أحد الذين قادوا لجنة الدفاع عن حقوق المجردين من الجنسية السورية، وتمكّنا آنذاك من إعادة الجنسية لآلاف الكورد الذين حُرموا منها بقرارٍ تعسفي. ومع ذلك، بقي ملف مكتومي القيد عالقًا دون حل، وظل ملف الأراضي والحزام العربي من أكثر القضايا حساسية وإهمالًا، حتى من قبل من يُفترض أنهم اليوم حماة هذه الحقوق.
لكن المؤلم حقًا أن الإدارة الذاتية لم تُدرج هذه القضية ضمن أولوياتها في الحوار الأخير مع الحكومة المؤقتة في دمشق، رغم أنها تمس جوهر الهوية الجغرافية والاقتصادية للشعب الكوردي. والأسوأ أن المستوطنين الذين جلبهم النظام البعثي ما زالوا حتى اليوم يعيشون على تلك الأراضي، دون أي خطة لإعادتهم إلى مناطقهم الأصلية في الرقة والطبقة، ودون تعويضٍ للفلاحين الكورد أصحاب الأرض الشرعيين.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ضاع الحق الكوردي مجددًا؟ ففي الوقت الذي تستعيد فيه دمشق نفوذها تدريجيًا بغطاءٍ أمريكي وإشرافٍ من توم باراك، يبدو أن الإدارة الذاتية تنازلت عن كثير من مكتسباتها مقابل وعودٍ فضفاضة. لا أحد يطالب بالمواجهة أو الانعزال، لكن كان من المنتظر أن تتمسك الوفود الكوردية على الأقل بثلاثة ثوابت وطنية:
1- ضمان الحقوق السياسية والدستورية للشعب الكوردي.
2- حلّ نهائي لقضية الحزام العربي وإعادة الأراضي إلى أصحابها.
3- الاعتراف الرسمي بالإدارة الذاتية كصيغة للحكم المحلي الديمقراطي.
ما يحدث اليوم هو العكس تمامًا: تسوية تُعيد مركزية السلطة إلى دمشق، مقابل فتات من الإدارة الشكلية، في حين تبقى القضايا المصيرية مؤجلة أو منسية.
إن التاريخ لن يرحم من يفرّط بحقوق الناس، ولا سيما حين يتعلق الأمر بالأرض والهوية. وإذا كانت الإدارة الذاتية قد قبلت، تحت ضغط الواقع الدولي، بتنازلاتٍ مؤقتة، فإن ذلك لا يبرر سكوتها عن الجرائم التاريخية التي ارتكبت بحق الفلاحين الكورد، ولا تهاونها في مواجهة مشروعٍ استيطاني ما زال قائمًا منذ أكثر من نصف قرن.
لقد حان الوقت لتوحيد الموقف الكوردي في الداخل والخارج، حول قضية الحزام العربي كأولوية وطنية لا تقل أهمية عن أي بند سياسي أو تفاوضي. فالأرض هي الجذر، ومن يفقد أرضه يفقد تاريخه وموقعه في المستقبل.