حين ترتدي التنازلات ثوبَ الوطنية

حين ترتدي التنازلات ثوبَ الوطنية


صلاح عمر

في زمنٍ تداخلت فيه الأقنعة، وتماهت الشعارات، صار من الصعب على الناس أن يفرّقوا بين صوت الوطن وصدى الخضوع، بين الحكمة والانهزام، بين من يفاوض حفاظًا على الكرامة ومن يساوم طمعًا في موطئ قدم على طاولةٍ مهترئة اسمها “الوطن”.
اليوم، يُطل علينا بعض القادة من شتى المواقع، حاملين راية “الإنقاذ الوطني” وهم يطلبون من الشعب الكردي أن يُظهر “الشجاعة” في تقديم التنازلات، وكأنها فضيلة أخلاقية أو بطولة سياسية. لكن، عن أي شجاعةٍ يتحدثون؟ أي شجاعةٍ تلك التي تُقاس بمدى الانحناء أمام نظامٍ غارق في الدم؟ أي وطنيةٍ هذه التي تُختبر بقدرتنا على التنازل عن تاريخنا وحقوقنا وكرامتنا؟

لقد تحوّل مصطلح "التنازل" في خطاب بعض الساسة إلى لافتةٍ براقة تخفي وراءها استسلامًا ناعمًا لمشاريع التذويب، حتى غدا الخضوع يُقدَّم بلغة المسؤولية الوطنية. والحقيقة المرة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها، أن كل تنازلٍ جديد يُطلَب من الكرد، ليس سوى تنازلٍ عن حقٍّ مكتسب، أو طعنةٍ في ذاكرة نضالٍ عمرها عقود. إنهم لا يريدون شريكًا في الوطن، بل تابعًا يدور في فلك المركز، يصفق حين يُطلب منه التصفيق، ويصمت حين يُقرَّر عنه المصير.

يحدثوننا عن الحوار السوري – السوري، وعن “الفرصة التاريخية لإنقاذ سوريا من السقوط في الهاوية”، بينما الحقيقة أنهم يريدون إنقاذ مركزية السلطة من الانهيار، لا إنقاذ الوطن من التمزق. فهم يخلطون بين الحوار والتلقين، بين الشراكة والإملاء. إن الحوار الحقيقي لا يُبنى على قاعدة الإنكار، ولا يطلب من أحدٍ أن يتنازل عن هويته ليُقبل مواطنًا من الدرجة الثانية. أما ما يُطرح اليوم باسم “تطوير القانون 107 للإدارة المحلية”، فليس إلا محاولة لتجميل وجه المركزية بلمساتٍ تجميلية لا تمس جوهرها الاستبدادي.

من المؤلم أن نرى من يفترض بهم أن يكونوا حراس القضية الكردية يتحولون إلى شهود زور في مسرحية إعادة إنتاج النظام. أولئك الذين يرفعون اليوم شعار “سوريا لكل السوريين”، ينسون أن الكرد لم يكونوا يومًا ضد وحدة سوريا، لكنهم يرفضون أن تكون هذه الوحدة قسرية، قائمة على إنكار وجودهم القومي وتاريخهم وحقوقهم المشروعة.

أيّ تنازلٍ يُطلب من الشعب الكردي بعد كل هذا النزيف، كيف يُطلب من هذا الشعب أن يتنازل، وهو الذي دفع دمه ثمنًا لحلمٍ لم يتحقق بعد؟

إن ما يُطرح اليوم على أنه "تسوية وطنية" لا يعدو كونه صفقة سياسية لتقزيم المشروع الكردي وتذويبه في إطارٍ إداري فارغ من مضمونه القومي والسياسي. فالقضية الكردية ليست مسألة خدمات بلدية أو صلاحيات محافظين، بل قضية وجودٍ واعترافٍ وكرامة. أيّ محاولة لحصرها ضمن تعديلات على قانونٍ قديم، هي ببساطة إعادة إنتاج للإنكار التاريخي بلغةٍ أكثر تهذيبًا.

لقد ملّ الشعب الكردي من هذه اللغة المزدوجة التي تتحدث عن المساواة وتُمارس الإقصاء، عن الشراكة وتُخفي الوصاية، عن الديمقراطية وهي تُعيدنا إلى حضن المركزية القديمة. فهل يحق لمن أنكر وجود الكرد طيلة عقود أن يتحدث اليوم عن “التعايش” وكأن شيئًا لم يكن؟ وهل يمكن لشعبٍ عانى الاضطهاد والاعتقال والحرمان من أبسط حقوقه، أن يصدق وعود من لم يعتذر له بعد عن عقود الإنكار؟

السؤال الذي يجب أن يطرحه كل كردي على نفسه: ما الذي تغيّر فعلاً في عقلية السلطة منذ أن فُرض الحزام العربي عام 1962؟ ما الذي تغيّر في فكر المعارضة التي، رغم سقوط النظام في مناطق واسعة من سوريا، لم تتجرأ على ذكر كلمة “كرد” في مؤتمرها الوطني ولا في وثائقها التأسيسية؟ أليست المعارضة الحالية التي تحكم إدلب عبر “هيئة تحرير الشام” برئاسة أحمد الشرع نموذجًا واضحًا لذلك؟ لقد مرّت عشرة أشهر منذ سيطرتها، ولم تذكر وثائق الحكومة المؤقتة كلمة عن القضية الكردية، ولا عن عيد نوروز القومي، ولا عن أي حقٍّ للشعب الكردي في الدستور المؤقت أو الإعلان السياسي أو حتى في قائمة الأعياد الوطنية.

إنها نفس الذهنية، وإن غيّرت لون الراية. ذهنية لا ترى في الكرد إلا ورقةً تفاوضية أو ثغرةً مؤقتة في توازن القوى. ذهنية لا تعترف بالشراكة إلا حين تفرضها موازين الميدان، ثم تنقلب عليها عند أول فرصة.

الوطنية الحقة لا تعني الانصهار في الآخر، بل القدرة على الحفاظ على الذات في إطار الشراكة. الوطنية لا تقاس بمدى التنازل، بل بمدى الإصرار على العدالة. والعدالة لا تكون إلا باعترافٍ صريحٍ بالشعب الكردي كشريكٍ أصيلٍ في الوطن، له حقوقه الدستورية الواضحة، وله كيانه السياسي والإداري ضمن نظامٍ فيدرالي ديمقراطي تعددي لا مركزي.

إن التنازل عن الفيدرالية اليوم هو تنازل عن الكرامة نفسها. هو تخلٍّ عن الحلم الذي دُفع لأجله أغلى الأثمان. هو خيانة رمزية لدماء الشهداء الذين رووا تراب غرب كوردستان كي تبقى حرّةً كريمة.
إن من يدعو اليوم إلى العودة إلى أحضان دمشق تحت أي مسمى، إنما يدعو إلى إلغاء كل ما تحقق خلال سنوات النضال الطويلة، وإعادة الشعب الكردي إلى موقع التابع، لا الشريك.

نحن لا نعيش مرحلة حوارٍ وطنيٍّ حقيقي، بل مرحلة إعادة تموضعٍ سياسي، تُدار فيها الصفقات في الغرف المغلقة بين قوى تبحث عن مصلحتها، لا عن مستقبل سوريا. لذلك فإن الصمت الكردي اليوم جريمة. السكوت على من يساوم على الفيدرالية خيانة. وعلى الشعب الكردي أن يتحمّل مسؤوليته التاريخية بالضغط على قياداته كافة – سواء في الإدارة الذاتية أو في المجلس الوطني الكردي – للتمسك بالثوابت القومية وعدم التفريط فيها تحت أي ذريعة.

لقد أثبتت التجارب أن الأنظمة التي تقوم على المركزية لا تنتج سوى الخراب، وأن الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تزدهر إلا في ظل لامركزية سياسية وإدارية تضمن العدالة والمشاركة الفعلية. وإذا كان البعض يعتقد أن تعديل قانون الإدارة المحلية يمكن أن يكون بديلاً عن الفيدرالية، فذلك يعني ببساطة تأجيل الانفجار لا منعه، لأن التهميش يولّد الغضب، والإنكار يولّد الثورة.

أما أولئك الذين يرفعون راية “إنقاذ سوريا من الحرب الأهلية”، فعليهم أن يدركوا أن البلاد لن تُنقذ بتنازلات الكرد، بل بجرأة مواجهة الجذر الحقيقي للأزمة: نظامٌ استبداديٌّ دمّر الوطن، ومعارضةٌ فاشلة لم تمتلك مشروعًا وطنيًا جامعًا.

إن الوطن الذي نحلم به لا يبنى بالمساومات، بل بالتفاهم على أساس الشراكة العادلة. لا يبنى بتنازل طرفٍ عن حقوقه، بل باعتراف الجميع بحق الجميع. فالوحدة الحقيقية لا تفرض بالقوة، بل تُبنى بالثقة المتبادلة. والكرد، الذين قدّموا أغلى التضحيات، لا يمكن أن يقبلوا اليوم أن يُعادوا إلى الهامش مرة أخرى.

إنّ الوعي الشعبي هو صمام الأمان الأخير. فحين تضعف الإرادات السياسية أو تنحرف الحسابات، يبقى صوت الناس هو المرجع. على الجماهير الكردية أن تقول كلمتها بوضوح: لا تنازل عن الفيدرالية، لا عودة إلى المركزية، لا مساومة على الوجود. لأن الحقوق القومية لا تُمنح، بل تُنتزع، ولأن الشعوب التي تدافع عن كرامتها لا تُهزم مهما طال الطريق.

لقد آن الأوان أن نفهم جميعًا أن الوطنية لا تعني أن نموت صامتين باسم الوحدة، بل أن نحيا أحرارًا باسم العدالة. فالوطن الذي لا يعترف بأبنائه، لا يستحق أن يُدافَع عنه بالتنازل. إن سوريا الجديدة التي نؤمن بها يجب أن تكون دولة المواطنة المتساوية، لا دولة القهر المركزي. دولةً تُدار فيها المناطق من أبنائها، ويُحترم فيها التعدد القومي والثقافي والديني باعتباره ثروة، لا تهديدًا.

من يتحدث اليوم عن “إنقاذ الباخرة السورية”، نذكّره أن هذه الباخرة لن تطفو على بحرٍ من الإنكار. لن يكتب لها النجاة إن لم تُبنَ على العدالة. فإما فيدرالية ديمقراطية تعددية لا مركزية تضمن لكل مكوّنٍ حقه في تقرير مصيره ضمن الوطن الواحد، وإما غرقٌ مستمرٌّ في بحر الأوهام والشعارات التي لم تُنتج سوى الخراب.

الكرد ليسوا ضيوفًا في وطنٍ أحد، بل أصحاب أرضٍ وتاريخٍ وهويةٍ تمتد جذورها إلى أعمق طبقات الوجود السوري. وإنّ كل صوتٍ يطالبهم اليوم بالتنازل عن حقوقهم، إنما يطالبهم بالتخلي عن أنفسهم. وهذه معادلة مرفوضة منطقًا ووجدانًا.

الوطن لا يُبنى بالتنازلات، بل بالعدالة. والعدالة لا تُكتب بالحبر، بل تُصاغ بالدماء والتضحيات. فلتكن فيدراليتنا وعدنا للجيل القادم، وميثاقنا لمن ضحّى، وإيماننا بأن لا كرامة لوطنٍ يُبنى على إنكار شعبه.