الطغيان يولد من رحم التقديس

الطغيان يولد من رحم التقديس

مصطفى محمد

يقول جان جاك روسو: «من يصنع لنفسه طاغية إنما هو شريك في الطغيان».
فالتاريخ لا يرحم الشعوب التي تعيد أخطاءها، ولا يغفر لمن يبدّل الأقنعة ويترك العقل في الأسر ذاته. فبينما تتعلم بعض الأمم من مآسيها لتبني مستقبلًا أفضل، تظل أمم أخرى حبيسة العقلية نفسها التي أنتجت الاستبداد.

بعد عقودٍ من حكمٍ فردي خنق الروح السورية، ما زال المجتمع يحمل في داخله البذرة ذاتها التي أنبتت الطغيان. بعض السوريين لم يتحرروا بعد من سحر “الزعيم المخلّص”، وإن تغيّر اسمه أو لونه أو طائفته.
فظاهرة التمجيد لشخص أحمد الشرع ليست سوى وجهٍ جديدٍ لعبادةٍ قديمة، هي “عبادة الرجل الواحد” الذي يعلّق عليه الناس خلاصهم.

ورغم أن التقديس في جوهره ليس حبًا بقدر ما هو خوفٌ متخفٍّ في هيئة ولاء، إلا أنّه يجد تبريره دائمًا في منطق الإقصاء: إقصاء طوائف أخرى، أو اعتبار بقاء الأكثرية السنية “إنجازًا”، حتى وإن كان على حساب وحدة المجتمع وتعدديته.
هذه الرؤية تعلي من شأن الولاء للهوية الطائفية على حساب بناء دولة المواطنة والقانون. وهنا يحذّر نيتشه من خطورة هذا المنطق حين يقول: «من يبحث عن الطاعة العمياء يخلق عبيدًا، ومن يقبل بها يتحول إلى عبد.» فالثورات لا تُقاس بعدد من سقطوا، بل بعدد العقول التي استيقظت. وإن لم يتغيّر هذا الوعي، فإن الدكتاتور سيبقى حاضرًا، ولو بثوبٍ جديدٍ وابتسامةٍ مختلفة.

المؤلم أن كثيرًا من السوريين في المنافي، رغم احتكاكهم بمجتمعاتٍ أوروبية تحكمها القوانين لا الأشخاص، ما زالوا يحنّون إلى “القائد” لا إلى “المؤسسة”، وكأنهم لم يتعلموا من جراحهم ولا من أسباب هجرتهم.
يرون في شخص الرئيس وطنًا، لا في الوطن كيانًا يتجاوز الأشخاص.

وفي هذا السياق، حذّر أفلاطون منذ قرون من هذا الارتداد حين قال:
«إن الشعوب التي تبحث عن بطلٍ مخلّص هي التي تُنجب أسوأ أنواع الطغاة.» فالتقديس ليس فعلًا بريئًا؛ إنه انتحارٌ بطيءٌ للعقل.
فحين يُقدَّم الولاء قبل الكفاءة، والعاطفة قبل العقل، تنهار فكرة الوطن لتحلّ محلها قبيلة المريدين، والمأساة أن من يعبد اليوم، سيُستعبد غدًا، لأن المستبد لا يعيش إلا في ظل الإيمان الأعمى بالبشر.

قال الإمام عليّ: «أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما.»
وفي هذا القول حكمة تصلح دستورًا وطنيًا:
لا تقدّس أحدًا، ولا تكره أحدًا حدّ العمى.
فبناء سوريا يبدأ من تحرير الفكر قبل تحرير الأرض، ومن حبّ النقد قبل التأييد الأعمى، ومن تقبّل المقال بعقلٍ تحليلي ونقدي قبل رفضه بدافع الانتماء أو الكره.