المرأة الكردية بين كسر القيود وصناعة القرار السياسي

المرأة الكردية بين كسر القيود وصناعة القرار السياسي

نجاح هيفو

في مجتمعاتٍ طالما وُصمت فيها المرأة بدورٍ ثانوي، وتوارى حضورها خلف جدران الصمت والعادات، يبرز اليوم سؤالٌ ملحّ: هل استطاعت المرأة أن تنتزع موقعها الحقيقي في فضاء العمل العام والسياسي؟ ورغم كل التحولات الاجتماعية والقانونية التي شهدها العالم، ما زال الطريق أمام النساء مليئًا بالتحديات التي تعكس عمق الذهنية الذكورية المترسخة في بنية المجتمع.
إن مشاركة المرأة السياسية ليست ترفًا ولا خيارًا هامشيًا، بل ضرورة لبناء توازن مجتمعي يضمن العدالة والمساواة في صناعة القرار.

وانطلاقًا من هذه الإشكالية الجوهرية، وجّهنا مجموعة من الأسئلة إلى نساء سياسيات حول واقع التجربة النسائية في السياسة:

- هل ما زلتِ تشعرين أن الرجل ينظر إلى المرأة العاملة في الشأن العام والسياسي كضلع قاصر؟
- ما أبرز عائق واجهكِ كامرأة في مسيرتك السياسية أو المجتمعية؟
- برأيك ما الذي تحتاجه المرأة اليوم لتفرض وجودها في العمل السياسي بجدية أكبر؟

بسه عبدي، عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا تركّز على الدور الكبير للمرأة والشباب في التغييرات الحاصلة، تقول:
حقيقة يجب علينا أن نميّز بين طرفي الحركة السياسية في كوردستان سوريا، ونستطيع الحديث بمصداقية عن السلوك المتبع لدى الاطار السياسي الذي نعمل به، ونحدّد طريقة تعامله مع العنصر النسوي، وكذلك أن نميّز زمنياً بين بدايات تشكل المجلس، والآن بعد سنوات من الممارسة والمتابعة أستطيع القول إنه مازالت هناك نظرة دونية للمرأة وخاصة في أساليب توزيع المهام السياسية والأعمال الإدارية سواء ضمن الأحزاب أو ضمن الإطار الجامع المجلس الوطني، حقيقة في البدايات كان ضم العنصر النسائي إلى الحراك السياسي شكليًا لمجاراة مطالب المنظمات والجهات الداعمة للمرأة، وكذلك الشباب وبشكل خاص الدول التي تنادي بحقوق الإنسان من مساواة ودعم للمرأة، لكن مع استمرار الخط السياسي للمجلس بات أكثر إدراكاً وأكثر واقعية بالتعامل مع ضرورة وجود المرأة كشريك مهم في عملية إدارة المجتمع، لكن رغم كل ذلك طالما أن وجود المرأة في العمل السياسي يستند الى المرور عبر بوابة الغوتا وبنسبة متدنية جداً مقارنة مع النسب العالمية، فهذا يعني أن النظرة إلى مشاركة المرأة ما زالت دونية والقوى السياسية الذكورية لا زالت لا تؤمن بالمساواة.
فيما يخص المعوقات قالت عبدي: بالنسبة لي شخصياً لم تكن جندرية بقدر ما كانت عرقية في حياتي العامة كوني كوردية مجرّدة من الجنسية، أما بالنسبة للانخراط في الحياة السياسية، وتبوُّؤ مركز قيادي ضمن الحزب فكان بالاستفادة من الغوتا النسائية التي أتاحت للنساء الوصول الى القيادة.
وقالت عبدي أن المرأة اليوم مثلها مثل الرجل مطالبة بأن تكون على درجة كبيرة من الوعي بالواقع السياسي والقدرة على التعامل مع متطلبات الحياة العامة سواء أكانت مهنية أو سياسية، فعلى المرأة أولاً أن تزيل تلك النظرة عن ذاتها هي، وتتحرر من تلك الصورة النمطية مسبقة الصنع، وأن تؤمن بنفسها كإنسان كامل من جميع الجوانب، وتعمل على تطوير ذاتها، والحصول على الكفاءة المؤهلة التي تضعها في المقدمة، فكما لا يمكن للرجل غير الكفوء النجاح لا يمكن للمرأة غير الكفوءة كذلك النجاح يعتمد الأمر على القدرات ومؤهلات النجاح.
اسمهان داوود، رئيسة ممثلية كوردستان للمجلس الوطني الكردي تجد اختلاف جغرافية المكان له تأثير قوي في نمو الوعي السياسي، تقول:
نظرة الرجل الكردي إلى المرأة العاملة في الشأن العام والسياسي تختلف حسب البيئة الاجتماعية، والمستوى التعليمي، والخلفية السياسية للرجل.
ففي المناطق المتقدمة (المدن الكبيرة)، نظرة أغلبية الرجال إلى المرأة العاملة في الشأن العام إيجابية نوعاً ما، والتاريخ الكردي يثبت وجود نماذج نسائية كردية بارزة في السياسة والعمل الاجتماعي.
أما في المناطق النامية ما زال هناك بعض الأفكار السلبية الدونية، تجاه المرأة العاملة في الشأن العام وخاصة السياسية.
فالواقع السياسي الكردي خاصة بعد الثورة السورية عام 2011، وانخراط المرأة بشكل أوسع في جميع المجالات، والمجال السياسي، وصفوف البيشمركة، غيّرت كثيراً من نظرة الرجل تجاه المرأة.
تردف داوود: لكن ليس معنى هذا إن العقلية الذكورية المتوارثة، لا تزال جزءاً من المجتمع الكردي، وخاصة الإسلامي المتزمت حيث يكبح من تقدم المرأة، وتطورها ويضع المرأة في خانة المكمل، أو الرمزي، كما إن بعض المفاهيم القديمة، مثل العيب والعار وضعت حداً للمرأة في بعض المناطق وبعض الأسر والعائلات.
والعوائق السياسية كانت لها دور في تأخر المرأة، فرغم تبنّي جميع الأحزاب الكردية مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة إلا أن المراكز العليا والقيادية ما زالت من حصة الرجل.
كما إن المرأة السياسية في مجتمعنا تنتقد على لباسها ومظهرها وحياتها الشخصية أكثر من أفكارها.
بالإضافة إلى العامل الأمني والخوف من الاعتقالات والمخاطر، وكل امرأة دون استثناء خطت الخطوات الأولى نحو التطور وبناء الذات عانت كل هذه المتاعب والعوائق.

ترى داوود أن هذا لا يعني أن تقف المرأة مكتوفة اليدين وتستسلم لهذه الظروف والعادات، يجب عليها أن تتسلح بالعلم والمعرفة لتكون منافسا قويا للرجل.
وعدم قبولها بحصة الكوتا النسائية في الحصول على المناصب لأن الكوتا تحصر المرأة في نسبة محدودة.
كما يجب الانخراط في منظمات نسائية داخل الأحزاب وخارجها والتضامن مع بعضهن البعض بدل التنمر على أنفسهن.
وتعتقد داوود أن المرأة يجب أن يكون لها اقتصاد خاص لأن استقلالية القرار وقوة الشخصية تبدأ من استقلال الاقتصاد، وأن تحضر ندوات ثقافية تدريبية على فن الخطابة ومعرفة استخدام التواصل الاجتماعي لنشر أفكارها ومواجهة الشائعات، وعدم الاكتفاء بالأدوار الثانوية.
هيام محمد، عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكوردستاني عكست الواقع من خلال التجارب السابقة للنساء الكورديات، حيث تقول:
المرأة العاملة في الشأن العام والحقل السياسي تمتلك طاقات إيجابية وقدرات فائقة وقابليات في شتى المجالات ومناحي الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والإدارة والنهضة الفكرية والقومية وغرس حب الوطن في أبنائها، نموذج في العنفوان والكرامة والشموخ أمثال قدم خيري والأم حليمة روشن بدرخان وليلى قاسم عروسة كوردستان ومارگريت ودايكا جوان وغيرهن من النسوة اللواتي كانت لهن دور مشهود في عمق التاريخ الكوردستاني وأن النظر إليها على أنها ضلع قاصر إنكار لتلك اللبوات اللواتي سطرن أروع الملاحم والأمجاد في سفر التاريخ، وإنكار لحقيقة تاريخية في سجل الخالدين.
وترى محمد أن دور المرأة في الحياة العامة لا يقتصر على مجرد متابعة العمل الوظيفي أو الإداري أو السياسي، فأنا شخصياً انظر إلى المرأة الكوردية بشموخ وكبرياء) لمكانتها المرموقة وأن إنكار دورها، إنكار لأمة بأكملها.
أما على الصعيد الشخصي فأؤمن بمفاهيم التغيير والتقدم وتمكين الذات والثقة بالنفس وبناء الإنسان وتنميته رغم التحديات والعراقيل والصعوبات والعادات التي تعترض مسيرة المرأة والرجل معاً، ومن واجب المجتمع إعطاء الأهمية لدور ومكانة المرأة لنرتقي معاً نحو مفاهيم أكثر إشراقاً وتقدماً، وأن يتم تقدير كل النسوة المكافحات والمناضلات وإسهاماتهن الجليلة رغم تعرضنا للملاحقات والمضايقات والعادات والتقاليد الاجتماعية التي لم ولن تثني من عزيمتنا وإرادة التغيير والإصرار والإيمان بدور المرأة وصمودها ومشاركتها في صنع القرار ودورها في الحياة مع الرجل وتعزيزها في خدمة الارتقاء بالعقل والمنطق في خدمة عدالة القضية الكوردية ومشروعيتها ولتصحيح مسيرة التاريخ بتداعياتها نحو التعاضد والتكاتف والتكافل، وتحرير العقل من تلك الرواسب السلبية وتطعيمها بمفاهيم إيجابية هادفة لتصب تلك الطاقات في خدمة الواقع والمجتمع لذا أتمنى أن يكون وجودنا كنساء سواء في العمل الحزبي والسياسي أو الإداري والوظيفي أو الحقل الثقافي أو في أي مضمار آخر وألا يكون حضوراً شكلياً كما هو واقعنا اليوم وأن يتم تمثيل ومشاركة المرأة في مركز القرار السياسي وتعزيز دورها في العمل الدبلوماسي للاستفادة من إمكانياتها وطاقاتها واستثمار أفكارها في التحفيز والتمكين والتنمية.
أما في مسيرتي النضالية والسياسية والثقافية والاجتماعية فهناك آراء وأفكار نيّرة وهادفة وأصحاب العقول والنخب الثقافية ساندت وتساند المرأة وتدرك أهمية دورها ومكانتها في بناء الإنسان والمجتمع ولكن تلك الأصوات والدعوات التي تناصر المرأة وتدعو إلى تحريرها ومشاركتها في الحياة العامة لم تكن بالمستوى المطلوب وبمستوى استحقاقات المرحلة ومتغيراتها، وأن من يدعمون قضايا المرأة والتي تعد قضية إنسانية وقومية وأخلاقية ومفهوم حضاري بامتياز، قلة قلية مع جلّ احترامي وتقديري لهم.
تعتقد محمد أن مشاركة المرأة في الحياة وإبراز دورها في صنع القرار سواء في حياتها الأسرية والاجتماعية أو الإدارية والسياسية له دور مؤثر في تطوير وتغيير المجتمع لأنها بذلك تساهم في إعادة تركيبة وبنية المجتمع ونظام السلطة فيه نحو المجد والعمران وأن مشاركتها أصبحت إحدى أهم العوامل في التنمية المجتمعية وثقافة التسامح والتعايش ونشر ثقافة السلام ونشدان الديمقراطية لأنها لا تقل كفاءة من الرجل سواء في إدارة الأسرة أو خارجها ولديها طاقات وإمكانيات بمقدورها الإسهام في تطوير الحياة العامة ويجب أن يكون منطلق الجميع في دعمها من خلال مبدأ المساواة والعدل يقرّ دستور الدولة بحقوقها المشروعة ويسن قوانين من شأنها بالمساواة بينها وبين الرجل وابذل جهود مضنية وحثيثة كامرأة أعمل في هذا المضمار لإنصاف المرأة.
وواجهت الكثير من التحديات في مسيرتي النضالية كالعادات الاجتماعية البالية التي لا يزال الكثيرون يؤمنون بالمفهوم الذكوري، وأناضل مع النسوة المناضلات وتلك العقول النيرة لإزالتها وكذلك تعرضت للملاحظات والمضايقات والاضطهاد وسلب الحقوق المشروعة مع الرجل من الناحية الأمنية خاصةً في عهد النظام الديكتاتوري السابق المخلوع.
وأضافت محمد أنه علينا أن نعي أن كل القوانين الوضعية قد توارثت من جيل إلى جيل وعملت هذه الأجيال على إيجاد شرخ وهوة بين الرجل والمرأة كما علينا نبذ ثقافة إقصاء دور المرأة لأنها لا تخدم أي مجتمع وإيجاد آليات وبدائل مبتكرة ترتقي إلى طموح المرأة ومتطلبات المرحلة من خلال توعية العالم عبر منصات التعارف والتواصل الاجتماعي ومنظمات المجتمع المدني والاتحادات النسائية وترسيخ الإعلام في خدمة تحريرها وتمكينها وعقد مؤتمرات داعمة لقضاياه الأساسية في الحياة العامة، وتخطي العادات والتقاليد البالية التي لا تخدم الجميع وعلى المرأة نفسها الارتقاء بذاتها من خلال التنمية والتطوير ومشاركتها في الكورسات والدورات التدريبية لتمكينها بالطرق الحديثة لتكون شخصية مؤثرة وهادفة في مختلف الميادين.
نسرين جتو، عضو المكتب السياسي لحزب يكيتي الكوردستاني- سوريا. كان لها رأي خاص يعكس تجربة عملية:
نظرة الرجل إلى المرأة العاملة في الشأن العام يختلف من رجل لآخر، يبقى ذلك على حسب وعيه وثقافته فالرجل الواعي والمثقف يرى بأنه من حق المرأة أن تمارس حقوقها في كافة مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على عكس الرجل الجاهل والذي لا يملك سوى القليل من الثقافة، يرى بأن المرأة ضلع قاصر، ولكن إذا قارنا اليوم بين هاتين النظرتين نرى بأن هذه النظرة إلى المرأة قد قلت وخاصة في المجتمع الكردي فلم يكن الرجل هو الوحيد الذي كان ينظر إلى المرأة تلك النظرة الدونية وبأنها أقل حتى في دستور الدولة لم تحظ المرأة بكافة حقوقها كالميراث والشهادة وغير ذلك لذلك يجب معالجة هذه الرؤية والمواقف المتخذة بحقها في الدستور الجديد.
وكانت إفادة جتو عن عوائق عمل المرأة في السياسة: أبرز هذه المشاكل العادات والتقاليد في المجتمع وكلنا نعرف نحن نعيش في مجتمع شرقي وذكوري بحت وهناك الكثير من العادات التي تقف في وجه تطور المرأة وتقدمها وخاصة المرأة العاملة في مجال السياسة فالمرأة السورية بشكل عام والكوردية بشكل خاص لم تكن يوما أقل خبرة من الرجل، فهناك الكثير من النساء شاعرات وكاتبات، وكم عُرفت الكثير من العوائل بأسماء نسائها إلى يومنا هذا، وانخرطت الكثير منهن في العمل السياسي ولكن مع الأسف لم تستمر في عملها التنظيمي بسبب معاملة المجتمع ونظرته لهن، أما العائق الثاني كان النظام المجرم والدكتاتوري الذي لم يفرق بين الرجل والمرأة في المعاملة الظالمة وخاصة من يعمل في مجال السياسة، فاعتقال المرأة من قبل النظام كانت بمثابة صدمة وجرح كبير، فالمجتمع لا يرضى ولا يقبل باعتقال النساء ولا يرحم المرأة المعتقلة.
وقالت عن حاجة المرأة لتفرض وجودها ودورها:
المرأة تحتاج اليوم إلى الكثير من العمل والنضال وكلنا نعلم أن المرأة تعرّضت عبر التاريخ لشتى أنواع الظلم والاضطهاد، وعاشت على هامش الحياة، وبقيت أسيرة العادات والتقاليد البالية، واقتصر دورها في الكثير من المجتمعات على الخدمة المنزلية والإنجاب، ولكن اليوم ومع اندلاع الثورة السورية أثبتت المرأة السورية وجودها في كافة المجالات فقد قدّمت الكثير من التضحيات ومع ذلك لا يزال الاهتمام بها ليس كما يجب وخاصة من قبل الحركة الكردية لأن العقل الذكوري لا يزال مسيطراً عليهم، لذلك لا بد من التسلح بثقافة تشاركية في المجتمع وإفساح المجال أمامها لكي تقوم بواجبها القومي والوطني والإنساني والاجتماعي
فالمرأة السورية ومنها الكردية الرائعة والشجاعة والصابرة تستحق كل تقدير وعرفان، فهذه المرأة قدمت كل ما يمكنها من التضحيات وبطولات لذا لا يمكن أن نبني سورية جديدة بدون مكانة طبيعية للمرأة السورية تضمن حقوقها ومكانتها في المجتمع، وهذا أقل تقدير لأمهاتنا وأخواتنا وبناتنا.

هيفي وانلي، عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكوردستاني -سوريا ترى نظرة المجتمع الكوردي تختلف في دعم المرأة السياسية بشكل إيجابي قائلة:

من الصعب جداً تقديم إجابة عامة تنطبق على جميع المجتمعات الشرقية، لأن النظرة مختلفة في مجتمعنا الكوردي، فله بيئة تختلف كلياً عن باقي المجتمعات.
المجتمع الكوردي له خصوصية قومية ونضالية على مدار سنوات طويلة منصرمة. والأجيال تغيّرت أفكارُها والمجتمع الكوردي في حالة تحول مستمر. قد لا تزال النظرة الدونية للمرأة في الشأن العام موجودة بشكل ضئيل جداً، لكنها لا تمثل عائقاً حقيقياً، الأمر الأكثر أهمية الآن هو ما تفعله المرأة الكوردية نفسها: لقد كسرت عددٌ لا يحصى من النساء الكورديات هذه الصورة النمطية بقدراتهن وإنجازاتهن الواقعية. كل نجاح تحققه امرأة كوردية في المجال العام هو ضربة لهذا التصور البالي، ويجعل من الصعب، حتى على المنتقدين، وصفها بـ "القاصر".
أما بالنسبة لي فلم أجد هذه النظرة بعملي السياسي أو الإنساني أو حتى العملي، فأنا أم ومن عائلة محافظة ومن مجتمع بعيد عن المجتمع الكوردي تلقيت الدعم من زوجي وعائلتي وبالإضافة لعملي المهني وعملي السياسي لم ينظر لي بأني قاصر على العكس تلقيت الدعم من جميع رفاقي واعتز بثقتهم بي وتشجيعهم لي ولا أشعر أني اختلف عنهم كوني امرأة.
عن العوائق التي تحيق بعمل المرأة أفادت وانلي: لم أواجه أي عوائق في ذلك لأن مجتمعنا الكوردي قد منح المرأة الكوردية حرية مطلقة ضمن الأصول بجميع الأصعدة، وكانت المرأة الكوردية مضرب مثل عند المجتمعات السورية الأخرى بحريتها، وثقة مجتمعها بها، فالمرأة الكوردية كانت تطلب درجات عالية من العلم وتحصله بغير محافظات بعيدة عن عائلتها ووحدها وأيضا المرأة الكوردية كانت قادرة على إدارة شؤون منزلها بالكامل على أكمل وجه بغياب زوجها وهذا مالا نجده بباقي المجتمعات السورية الأخرى
بينما المرأة الكوردية هي الأم والأصل، والتي كسرت بدورها بقية العوائق الهيكلية والشخصية، وتغلب عليها بعملها ومحافظتها على أصول التشريعات المجتمعية ودعم النساء الكورديات بعضهن البعض وإصرارهن على تحقيق ذاتهن وخدمة مجتمعهن وقضيتهن
أكدت وانلي أن ما تحتاجه المرأة الكوردية في العمل السياسي لتثبت وجودها هو مزيج من الجدية والكفاءة من داخلها، ودعم مجتمعي ومؤسسي، وإطار قانوني يحمي ويضمن حقوقها. الأمر ليس معركة فردية، بل هو مشروع مجتمعي متكامل. النجاح يتحقق عندما تتوقف المرأة الكوردية عن أن تشعر بنفسها هي قاصر ويجب الدفاع عنها، ويجب عليها أن تصبح طرفاً طبيعياً وفاعلاً لا غنى عنه في المعادلة السياسي.

شيرين محمد، ناشطة سياسية تركّز على الأدوار النمطية السائدة، وتصف الحالة من وجهة نظرها، قائلة:
صحيح أن هذه النظرة (المرأة ضلع قاصر) كانت سائدة لفترة طويلة، لكنها اليوم لم تعد مطلقة. ما زال هناك من يحمل بعض الأحكام المسبقة، لكننا نشهد تحولاً واضحاً في الوعي، حيث باتت فئة واسعة من الرجال ترى المرأة شريكاً أساسياً في العمل العام والسياسي، وقادرة على الإضافة والإنجاز مثلها مثل الرجل تماماً.

حول معوّقات عمل المرأة في العمل السياسي، قالت محمد: أكبر عائق واجهته هو الصورة النمطية المسبقة التي تقلل من قيمة حضور المرأة، إضافة إلى ضعف البنية المؤسسية الداعمة لمشاركتها. في كثير من الأحيان كانت المرأة مطالبة بمضاعفة الجهد لإثبات نفسها، ليس بسبب نقص في الكفاءة، بل بسبب توقعات المجتمع ومقاومته للتغيير.
وعن حاجة المرأة لفرض وجودها، أوضحت محمد:
المرأة السورية اليوم بحاجة أولاً إلى تعزيز ثقتها بذاتها وبقدرتها على صناعة القرار، وثانياً إلى إطار قانوني ومؤسساتي أكثر عدلاً يضمن لها الفرص المتكافئة. كذلك هي بحاجة إلى شبكات دعم مجتمعية وسياسية قوية تعزز حضورها، وتفتح أمامها المجال لتكون فاعلاً حقيقياً في الحياة السياسية، لا مجرد عنصر تكميلي.

حياة قجو، مسؤولة مكتب المرأة والطفولة في المجلس الوطني الكوردي، ترى دور العمل للمرأة يشكل ركيزة على كافة المستويات والسياسية، على وجه الخصوص قائلة:
مازالت هناك مواقف اجتماعية تعتبر المرأة أقل قدرة على اتخاذ القرارات الهامة بسبب تصورات نمطية عن عقلانية المرأة، إن عمل المرأة يساهم في توسيع نطاق دورها الاجتماعي ومشاركتها في الحياة السياسية يساهم في قياس درجة نمو المجتمعات، إلا أن حتى الآن ينظر إليها في هذا المجال كضلع قاصر إلى حد ما في مجتمعنا وإلى حد أكبر في المجتمعات المجاورة لنا.

أما عن العوائق التي تواجه عمل المرأة، أوضحت قجو:
قد يترافق مع فرض حصار ليكون وجودنا شكلياً أكثر مما هو عملي إذ ما إن تدخل المرأة في الحياة السياسية حتى تبدأ القيود تزداد عليها لتحافظ على منظومة العادات والتقاليد وسطوة المجتمع الذكوري، هناك عوائق على مستويات مختلفة: على مستوى الفرد والعائلة والمجتمع الأهلي، والسلطات المحلية والدولة.

عن احتياج المرأة لتثبت كينونتها، قالت قجو: يمكن تحقيق ذلك عبر إزالة المعوقات القانونية والثقافية وتفعيل آليات التمكين، ورفع الوعي بأهمية دورها في التنمية الشاملة والمستدامة»

وبعد:
يمكن القول إن مشاركة المرأة في العمل السياسي ليست مجرد حق مكتسب بنصوص دستورية أو اتفاقيات دولية، بل هي التزام قانوني وأخلاقي يقع على عاتق الدول والمجتمعات على حد سواء. فالمادة (7) من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) تُلزم الدول الأطراف بضمان حق المرأة في الترشح والانتخاب والمشاركة في صنع السياسات العامة دون أي قيود قائمة على الجنس، إلا أن الواقع العملي يكشف عن فجوة واضحة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي، إذ ما تزال المرأة تواجه معوقات بنيوية وثقافية، تحدّ من وصولها إلى مواقع صنع القرار.
وعليه، فإن تجاوز هذه العقبات يتطلب مقاربة شاملة تقوم على ثلاثة مستويات: أولًا، إصلاح الأطر التشريعية بما يضمن التمثيل العادل للنساء عبر سياسات تمييز إيجابي مرحلية. ثانيًا، تعزيز الوعي المجتمعي بمفهوم المساواة السياسية باعتباره شرطًا من شروط الديمقراطية الحقيقية. وثالثًا، تمكين النساء من خلال برامج تدريبية ودعم مؤسساتي يضمن لهن المشاركة الفعّالة والمستدامة.
إن حضور المرأة في المجال السياسي لم يعد خيارًا يمكن تجاهله، بل هو معيار يقاس به مدى التزام المجتمعات والدول بمبادئ العدالة وحقوق الإنسان. وبالتالي، فإن أي مشروع ديمقراطي لا يضع تمكين المرأة في صميم أولوياته يبقى ناقصًا وغير مكتمل الأركان.