رؤية الكورد لسوريا المستقبل.. شراكة حقيقية في وطن تعددي
عزالدين ملا
بعد سقوط نظام بشار الأسد، تبدأ سوريا فصلاً جديداً من تاريخها المعاصر، عنوانه الانتقال نحو دولة عادلة تتّسع لكلّ مكوّناتها. ومع تشكيل إدارة انتقالية، يُفتح الباب أمام كتابة دستور جديد يُعبّر عن التنوع في مكوّنات الشعب السوري، ويعكس آلامه وتضحياته، ويؤسس لعقد اجتماعي جامع يُنهي عهود القمع والتهميش.
لكنّ سوريا الغد لن تُبنى فقط بمحض التغيير السياسي، بل تحتاج إلى إرادة صادقة تُنصف المهمشين، وتعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. وفي طليعة هؤلاء، يقف الكورد الذين حُرموا لعقود من حقوقهم، واليوم يقفون أمام فرصة تاريخية لصياغة موقعهم في الوطن الذي شاركوا في الدفاع عنه وتحرير قراره.
فالرؤية الكوردية المشتركة، حين تُبنى على التفاهم والانفتاح، ستكون مفتاحا للتوجه إلى دمشق العاصمة السياسية والتاريخية، للمشاركة في رسم ملامح سوريا الجديدة، حيث لا يطغى فيها مكوّن على آخر، ولا يُقصى فيها طرف لحساب طرف.
1-ما الدور الذي يمكن أن يلعبه الكورد في المرحلة الانتقالية لبناء سوريا التعددية؟
2-كيف يمكن تحويل المظلومية الكوردية إلى مشروع سياسي وطني جامع داخل سوريا؟
3-ما مدى استعداد الإدارة الانتقالية لتبنّي دستور يضمن الحقوق القومية والثقافية لكل المكونات؟
4-هل تمتلك القوى الكوردية اليوم رؤية موحدة وبرنامجاً سياسياً قادراً على التفاوض الفعلي في دمشق؟
الكورد وسوريا الجديدة، من المظلومية إلى مشروع وطني جامع
تحدث سكرتير حزب تيار المستقبل كوردستان- سوريا، ريزان شيخموس لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «بعد سقوط نظام بشار الأسد، تدخل سوريا فصلاً جديداً من تاريخها المعاصر، عنوانه الانتقال نحو دولة عادلة تتّسع لكلّ مكوّناتها، وتؤسّس لعقد اجتماعي جديد يعكس تطلعات السوريين وآلامهم وتضحياتهم. ومع تشكيل إدارة انتقالية، يُفتح الباب أمام كتابة دستور يُعبّر عن التعدد القومي والديني والثقافي في سوريا، ويضمن مشاركة الجميع في صياغة مستقبل البلاد، لا كضيوف على مائدة الوطن، بل كشركاء في قراره السياسي ومصيره التاريخي.
غير أن بناء سوريا الجديدة لا يمكن أن يتحقق عبر التغيير السياسي فحسب، بل يحتاج إلى إرادة حقيقية تُنصف من تم تهميشهم، وتعالج اختلال العلاقة بين الدولة ومواطنيها. وفي طليعة هؤلاء يقف الشعب الكوردي، الذي عانى لعقود من الإقصاء، والتجريد من الجنسية، وحرمانه من حقوقه الثقافية والسياسية، فضلاً عن سياسات التعريب والتغيير الديمغرافي التي طالت مناطقه. ومع كل هذه المعاناة، لم يتخلَّ الكورد يوماً عن سوريا، بل كانوا في صلب معارك الثورة ضد الاستبداد، وفي مقدمة الصفوف خلال الحرب ضد الإرهاب، خصوصاً في مواجهة تنظيم داعش».
يتابع شيخموس: «إن الكورد اليوم يقفون أمام لحظة مصيرية، تتيح لهم الانتقال من موقع المظلومية إلى موقع الشراكة، ومن الدفاع عن الحقوق إلى صياغة المشروع الوطني. هذه اللحظة التاريخية تجسّد في انعقاد الكونفرانس الوطني الكوردي في السادس والعشرين من شهر نيسان، بإشراف مباشر من الرئيس مسعود بارزاني، وبمشاركة القائد مظلوم عبدي، وتم التوافق على رؤية كوردية موحدة، وتشكيل وفد كوردي موحّد للمشاركة في العملية السياسية، والتفاوض مع السلطة الانتقالية.
ما ميّز هذا الكونفرانس هو شمولية التمثيل، إذ حضره كل الأحزاب الكوردية الفاعلة في سوريا، والمنظمات السياسية، وكافة الفعاليات والنخب المجتمعية، والشخصيات الوطنية المستقلة، حيث أصبحت الرؤية السياسية موحّدة ومعبّرة عن الشعب الكوردي بأكمله، وبذلك تُشكّلت مرجعية سياسية وأخلاقية للكورد للمرحلة المقبلة. بهذا تحول هذه الخطوة من مبادرة سياسية إلى تعبير حقيقي عن إرادة جماعية للسعي إلى التفاوض باسم الكل، لا باسم جزء».
يضيف شيخموس: «برزت أهمية هذا الكونفرانس في كونه حظي بدعم وتشجيع مباشر من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الفرنسية، اللتين كان لهما دور فاعل في الدفع نحو توحيد الصف الكوردي وتشكيل رؤية سياسية جامعة. وقد شارك في أعمال المؤتمر ممثلون عن الرئيس مسعود بارزاني والاتحاد الوطني ودم بارتي والولايات المتحدة الأمريكية، للتأكيد على الأهمية السياسية المتزايدة لهذا الحدث ودوره المتوقع في المساهمة في استقرار سوريا المستقبل، وضمان تمثيل حقيقي للكورد في العملية السياسية الشاملة.
هذا الكونفرانس لا يُعتبر حدثًا كورديًا داخليا فقط، بل هو محطة مفصلية لها أبعاد سورية شاملة، لأنه يضعُ حجرَ الأساس لدور كوردي جديد على مستوى سوريا كلها، ضمن مسار سياسي يطمح إلى بناء دولة تعددية لا مركزية، تعترف بسوريا كدولة متعددة القوميات والثقافات والأديان، وتقوم على نظام برلماني يضمن التمثيل العادل والمشاركة السياسية الفاعلة لجميع مكونات المجتمع».
يشير شيخموس: «إلى أن الرؤية الكوردية المشتركة التي جرى التوافق عليها بين المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي وتم الإجماع عليها في الكونفراس تمثل نقلة نوعية، لأنها لا تقتصر على المطالب القومية للكورد، بل تقدم تصوراً متكاملاً لسوريا المستقبل، يبدأ بالاعتراف الدستوري بالتنوع القومي، ويؤسس لهوية وطنية جامعة لا تقصي أحداً، بل تراعي الخصوصيات الثقافية والدينية، وتعتمد اللغة الكوردية كلغة رسمية إلى جانب العربية، وتضمن التوزيع العادل للثروات والسلطة بين المكونات والمناطق، وتضع حداً للتمييز والتهميش الذي مارسه النظام طيلة عقود. الرؤية تضمن أيضا ضرورة إنهاء كافة السياسات التمييزية بحق الكورد، بما في ذلك ضمان تمثيلهم في مؤسسات الدولة ومراكز القرار، ووقف مشاريع التغيير الديمغرافي، وتأمين العودة الآمنة للمهجرين والنازحين، خاصة من مناطق عفرين وسري كانيه وكري سبي، إلى جانب تعزيز دور المرأة وضمان المساواة بين الجنسين، واحترام حقوق الطفل وكرامة الإنسان».
يؤكد شيخموس: «إن انعقاد الكونفرانس الوطني الكوردي، والمخرجات الصادر بمثابة إعلان سياسي واضح بأن الكورد جاهزون للانتقال إلى مرحلة الشراكة الوطنية الفاعلة، عبر وفد تفاوضي موحد، يحمل مشروعاً لا يعبّر فقط عن الحقوق القومية، بل عن مستقبل سوريا كلها. وهذا ما يمنح هذه المبادرة بُعداً وطنياً يتجاوز البُعد الكوردي، ويجعلها محطّ أنظار المخلصين من أبناء الشعب السوري، الذين يتوقون إلى وطن جديد قائم على العدالة والكرامة والمساواة».
ينوه شيخموس: «إن الكرة اليوم ليست في ملعب الكورد وحدهم، بل في ملعب السلطة الانتقالية التي يقع على عاتقها مسؤولية التعامل الجاد مع هذه الرؤية، والتأسيس لدستور جديد يضمن الحقوق القومية والثقافية والسياسية لجميع المكوّنات، دون استثناء أو انتقاص. فإذا كانت هذه السلطة تطمح فعلاً إلى تأسيس سوريا جديدة، فعليها أن تعترف بأن الكورد ليسوا طرفاً هامشياً، بل جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني السوري، وركناً من أركان الدولة المقبلة.
لقد أثبت الكورد، في أكثر من محطة، أنهم أهل للمسؤولية، وشركاء صادقون في بناء الوطن. واليوم، وبفضل هذا الزخم السياسي والتنظيمي، يمكن للكورد أن يلعبوا دورا محوريا في صياغة مستقبل سوريا، إذا ما توفرت الإرادة السياسية، ونجح الكونفرانس في توحيد الصف الكوردي، وطرح خطاب جامع، ينطلق من الواقعية السياسية، ويستند إلى شراكة متكافئة مع بقية المكونات السورية.
يختم شيخموس: «إن الكورد، بما يملكون من تجربة سياسية وواقع ديمغرافي وثقافي غني، قادرون على لعب دورٍ رياديٍّ في مستقبل سوريا، بعد أن امتلكوا مشروعاً سياسياً واضحاً وموحداً.
الكورد ليسوا فقط أصحاب مطالب، بل أيضاً شركاء فعليون في بناء الدولة السورية، من موقع الانتماء والجدية والمسؤولية الوطنية. فالمشاركة الكوردية المنشودة ليست فقط من زاوية قومية، بل من قلب الانتماء السوري، حيث الكورد لا يعملون من أجل مكاسب ضيقة، بل من أجل وطن يتسع للجميع، ويُبنى بسواعد جميع مكوناته، وعلى رأسهم الكورد الذين كانوا دائماً في قلب المعادلة الوطنية، ويجب أن يبقوا كذلك».
الاعتراف بحقوق الكورد مفتاح الاستقرار الوطني
تحدّث رئيس ممثلية المجلس الوطني الكوردي في تركيا، مسلم محمد، لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «سطع فجر الحرية معلناً انقضاء حقبة الاستبداد المظلمة التي جثمت على صدر الشعب السوري عقوداً مديدة، تحت نير حكم الأسد البغيض، الذي كمّم الأنفاس وأمعن في تكميم الأفواه. وقد استبشر السوريون خيراً، مترقّبين ميلاد عهد جديد، يكون أكثر بهاء، وأسمى قِيَماً، يعيد لهم الكرامة المهدورة، ويجبر كسرهم الممتد من مرارة الظلم، ومرار التشريد، على مدار السنين العجاف المنصرمة، مُتطلّعين إلى فرصة تاريخية لتشييد وطنٍ على دعائم الحرية، والعدالة، والاستدامة. وبات لزاماً، في هذا السياق، الاستلهام من التجارب العملية والنظريات العلمية التي خطّها كبار المفكرين وروّاد الفكر السياسي والإداري وعلم العلاقات الدولية، لاستلهام منهج حكم رشيد لقيادة المرحلة المصيرية، وتجاوز عنق الأزمة الخانقة».
يتابع مسلم: «انه في قلب هذا المشهد المصيري، تتجلى مكانة الشعب الكوردي في سوريا، بوصفه ثاني أكبر قومية في البلاد، إذ تقع على كاهله مسؤولية تاريخية في الإسهام ببناء سوريا الجديدة: حرّة، مزدهرة، تعددية، اتحادية؛ جنبًا إلى جنب مع باقي مكونات الطيف الوطني، فالجميع دون استثناء معنيٌّ بجني ثمار الحرية، وصياغة نظام سياسي يعبر عن إرادة السوريين قاطبة. ولا مراء في أن سوريا تمثل فسيفساء اجتماعية شديدة التعقيد، حالها حال العديد من بلدان المنطقة؛ ومن ثم، فإن إشراك جميع مكونات المجتمع السوري في العملية السياسية، وتعزيز مشروع المصالحة الوطنية، وإرساء ثقافة الحوار الوطني الجامع، بات ضرورة لا تحتمل التأجيل.
غير أن المحطات الثلاث التي انعقدت تحت مظلة الإدارة السياسية في دمشق مؤتمر الحوار الوطني، الإعلان الدستوري، تشكيل الوزارةــ جاءت مخيبة للآمال، مجانبة لطموحات السوريين؛ إذ غاب عنها التمثيل الحقيقي للمكونات المجتمعية، فتكرست النزعة الإقصائية، ولم تُلبِ الطموحات».
عليه، يضيف مسلم: «المطلوب اليوم إعادة تقويم شامل لما جرى، والخلاص من آفة النكوص السياسي، ومرض الاستبداد المتجذر. فالوطن، في حقيقته الجوهرية، رحبٌ بجميع أبنائه، وبناء سوريا التعددية مهمة وطنية سامية، تتجاوز الانتماءات السياسية أو التباينات الفكرية، إذ إن اختلاف الرأي يجب ألّا يفسد للود قضية. ولا سبيل لإعادة لحمة النسيج الاجتماعي السوري، الذي مزقته الحروب وأرهقته الانقسامات.
فإعمار سوريا لا يقتصر على ترميم ما تهدم من عمران، بل يمتد إلى بناء هوية وطنية جامعة تتجاوز مآسي الماضي، وتؤسّس لمرحلة جديدة، قوامُها الاعتراف الدستوري بالحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي، كمدخل أساس لإقامة وطن جامع».
يؤكد مسلم: «أن حلّ القضية الكُردية، بوصفها إحدى القضايا الوطنية الكبرى بامتياز، ضمن الإطار السوري الجامع، سيشكل صمّام أمان للاستقرار الداخلي، ويوفّر مظلة شرعية للنموذج السوري في استحقاقاته الداخلية والخارجية. وقد تطلع السوريون، عقب انهيار الطغيان، إلى وطن ديمقراطي حديث، يبجل التعددية السياسية والاجتماعية، ويكفل المشاركة الشعبية الحقيقية، ويحترم إرادة الشعب في إنتاج سلطة شرعية تؤسّس لمرحلة البناء والسلام.
وحده الأمل، والترقب المشوب بالتطلع، كانا يملآن أعين السوريين وهم يحلمون بدستور يكرّس المساواة، ويضمن الحقوق، ويحقق العدالة الاجتماعية.
لكن المؤسف أن الإعلان الدستوري قد تمّ بصيغة تفتقر إلى الإجماع الوطني، إذ أُنجز بعيدًا عن الشراكة الحقيقية مع مختلف الأطياف السياسية والقومية والدينية، مما كرّس نهج الإقصاء، وأعاد إنتاج الاستئثار بلبوس جديد. ولا ريب أن عدم إشراك جميع المكونات الوطنية في صياغة العقد الاجتماعي الجديد، أثقل كاهل السلطة في دمشق، وأصاب آمال السوريين، وعلى رأسهم الكورد، بمقتل، استمراراً لنهج الاستبعاد السياسي الذي مارسه حزب البعث لعقود مديدة.
إن التوافق على رؤية وطنية شاملة لمستقبل سوريا، وتحديد المطالب القومية الكوردية ضمن إطار وحدة البلاد، يشكّل مدخلاً رئيسيًا لعملية التحول السياسي، ولصياغة خطاب جامع يفتح آفاق المصالحة الوطنية، ويثبّت قواعد المشاركة السياسية الفاعلة».
ينوه مسلم: «إلى الدور الريادي الذي تضطلع به هولير، كمنصة سياسية جامعة، في رعاية جهود لمّ الشمل، وعلى الأخص المبادرات الخيّرة للزعيم والمرجع القومي الكوردي مسعود بارزاني، رمز الحكمة والرؤية السياسية الثاقبة».
يشير مسلم: «إن هذه الوثيقة الوطنية تمثل خطوة ضرورية لرفع الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الكوردي في سوريا، وإحقاق حقوقه المشروعة، وبناء نظام عادل ومستدام، يدفع بسوريا إلى الأمام بخطى ثابتة نحو مستقبل يزدهر فيه السلام، والتنمية، والاتحاد.
الكورد يطالبون بالمشاركة الفاعلة في صياغة سوريا الجديدة
تحدث رئيس اتحاد كتاب كوردستان سوريا، عبدالحكيم محمد، لصحيفة «كوردستان» قائلاً: «مضى على سقوط النظام السوري أربعة أشهر وما تزال سوريا تكافح لنيل استحسان الدول العظمى وكسب ثقتهم ونيل الدعم منهم. الدولة تحتاجُ إلى وقتٍ كافٍ للمضي والنهوض مرة أخرى ومحو آثار النظام السابق من عقوبات ونهب للخزينة المالية وسلب جميع خيرات الوطن وتصديرها للخارج. هناك تحديّات ضخمة أمام الدولة والحكومة الانتقالية الجديدة التي تولت السلطة، بغض النظر إن كانت شرعية أو لا شرعية، فهي بالتالي تكسب شرعيتها من الشعب السوري بكافة قومياته وطوائفه، وعليها إرضاء الشعب أولاً والتعامل معه بكل شفافية وديمقراطية وعدل، دون تمييز أو تفضيل فئة على أخرى.
ويعدُّ الكورد من أهم وثاني أكبر المكوّنات أو الشعوب السورية، لذلك أولاً على الحكومة السورية الجديدة أن تنال رضاهم وتطمئنهم وتكسب قوتهم العسكرية والسياسية. ثانياً، على الكورد التعامل مع الحكومة بجدية وبراغماتية وتوضيح مطالبهم والمطالبة بحقوقهم القومية والوطنية، كونهم مكوناً سياسياً يحمل مقومات الشعب والأرض واللغة والتاريخ وليس طائفة دينية أو مجموعة صغيرة. فالكورد لهم دور كبير في تعزيز سوريا وتطويرها وبناء دولة تعددية تشاركية موحدة في إطار فيدرالي أو لامركزية سياسية تربط جميع المحافظات بالمركز دمشق. طبيعة سوريا التعددية تخولها لتكون دولة فيدرالية، فهي مكونة من عدة شعوب وطوائف. وما زرعه النظام البائد من فتنة وزعزعة عرقية أو طائفية، يستطيع الكورد إلغاءه ومحو آثاره بالتعاون مع الحكومة الانتقالية الجديدة بالمحبة واقتناص الفرص التاريخية والموضوعية للسياسات الدولية والأطماع الخارجية في المنطقة عامة وفي سوريا خاصة».
لكي يكون للكورد دور قويم في العملية السياسية والمرحلة الانتقالية، يضيف محمد: «إنه على الحكومة الانتقالية إشراكهم في كافة المسارات والرؤى السياسية والتحركات الفعلية لبناء الدولة، لأن الكورد لهم تجربة لا بأس بها في إدارة مناطقهم وإدارة ثروات البلاد. كما يجب على الحكومة السورية رفع المظلوميات التي كانت على كاهل الكورد منذ عقود وكسب ثقتهم ومواردهم المادية والسياسية والعسكرية. ويجب أن تتحرك الحكومة خطوةً بخطوة مع الكورد وتشاركهم في صياغة الدستور والسلطة. فلم يكن الكورد يوماً من دعاة الانفصال المزعوم ولا دعاة زعزعة أمن واستقرار الدولة.
إن رفع المظلومية عن الكورد بعد معاناة عقود طويلة سيجعل من الدولة هدفاً لكل السوريين وخاصة الكورد لبنائها، وعندها ستصبح الدولة مظلة لكل السوريين يحتمون بها ويحمونها. وسيتحول الماضي من ظلم وقهر وحرمان إلى حاضر مليء بالأمل والوحدة السياسية والمجتمعية، وسيصبح هناك مشروع سياسي وطني جامع يشترك فيه كل السوريين بكوردهم وعربهم وسريانهم وجميع طوائفهم الدينية. حين يتمُّ الاستفادةُ من الماضي وتحويله من اللون الأسود إلى اللون الأبيض، عندها ستستحق الدولة والحكومة ثقة الشعب وستزول جميع مخاوفهم، وخاصة الشعب الكوردي الذي ما زال يستذكر المجازر والتحديات السابقة».
يعتقد محمد: «أن الحكومة الجديدة ما زالت في مخاضها ولم تستطع إيجاد طريقة مثلى لمشاريعها السياسية والإدارية، وما زالت غامضة بالنسبة للمكونات السورية وخاصة الكورد. فتهربها من الكورد والقضية الكوردية حتى الآن يثير مخاوف الشعب الكوردي، خاصة بعد الأحداث الأخيرة في الساحل السوري وتمكين عقلية الانتقام والثأر من الماضي. حتى هذه اللحظة، لم تقم الحكومة الانتقالية بالحديث عن القضية الكوردية أو دعوة الأطراف الكوردية للحوار. كان تعاملها وجميع لقاءاتها مع الكورد بهدف النفوذ والاقتصاد والعسكرة، وفي الحقيقة هي لم تتعامل مع الكورد كشعب، بل تعاملت مع قسد كشمال شرق سوريا بجميع مكوناتها، ولم تتضمن مشاريع هذه اللقاءات أي تناول حقيقي للقضية الكوردية».
يشير محمد: «انه عندما نقول قضية كوردية، نعني بذلك شعباً قائماً على أرضه التاريخية في دولة سورية ويحمل قضية سياسية، وليس مجرد حقوق مواطنة كما يُقال. وبعد إعلان الحكومة الانتقالية للدستور المؤقت الذي لم يذكر الكورد ولا قضيتهم ولا لغتهم ولا كيفية تعريفهم كمكون أساسي في سوريا، أثار ذلك استياء الشعب الكوردي وزاد من مخاوفه تجاه هذه الحكومة التي تظهر بلون وإطار واحد يحمل أيديولوجية متطرفة لا تناسب الشعب السوري ولا الكورد الذين يتمتعون بالانفتاح والتحرر النسبي من كافة النواحي».
لكن، نظراً للظروف السياسية والتدخلات الدولية، فإن المسارات السياسية قد تتغير. لذلك يختم محمد: «أن الحكومة المؤقتة حالياً ليست مستعدة لتبني دستور يقبل بالحقوق الكوردية كمكون وقضية سياسية، حيث أن الضغط التركي وتدخله في الشأن السوري يحول دون صياغة دستور شامل، ويفرض دستورا متعصباً. إلا أن الضغوط الأمريكية والأوروبية، المتمثلة بفرنسا وألمانيا، إضافة إلى قوة الكورد في سوريا عسكرياً واقتصادياً وتحكمهم بثلث الأراضي السورية، ستغير الأمور وتجعل الحكومة السورية الجديدة تمتثل لحقوق الكورد وتضمن دستوراً سورياً شاملاً يحمل في طياته كافة الحقوق المشروعة للكورد، لغةً وثقافةً وقضيةً وقوميةً. و
خاصة بعد أن تم توحيد الصف الكوردي مؤخّراً من خلال مؤتمر توحيد الصف والموقف الكوردي في روجآفايي كوردستان، الذي ضم أكثر من 400 شخص من مختلف النخب السياسية والثقافية والعسكرية وحتى القوى الكوردستانية. وقد صادق المؤتمر على رؤية كوردية مشتركة للتفاوض مع الحكومة السورية الانتقالية بتاريخ 26 نيسان 2025، وكان يوماً تاريخياً لجميع الكورد. وتابع الإعلام الكوردي والعربي والعالمي هذا المؤتمر، وأتى الرد الأمريكي سريعاً بالترحاب بمخرجاته، بجهود من الزعيم الكوردي مسعود بارزاني والجنرال مظلوم عبدي وجهود أمريكية وفرنسية أيضاً».