المرحلة الانتقالية في سوريا.. وعدٌ بالتغيير أم إعادة إنتاج للاستبداد؟
عزالدين ملا
بعد سنوات طويلة من الحرب والمعاناة، تنفّس السوريون الصعداء برحيل نظام بشار الأسد وتشكيل حكومة انتقالية، تمنّى السوريون أن تكون بدايةً لمسار جديد نحو سوريا آمنة، حرة، وديمقراطية. سوريا المستقبل التي يحلم بها السوريون جميعاً، هي دولة مدنية، عادلة، تحتضن كافة مكوّناتها الاجتماعية والثقافية، وتمنح لكلّ مواطنيها حقوقهم دون تمييز.
لكن هذا الأمل يصطدم بواقع سياسي معقّد، محلياً وإقليمياً ودولياً، حيث تتشابك مصالح الدول المتدخلة في الشأن السوري، وتتناقض مشاريع النفوذ وتوجّهات اللاعبين على الأرض. هذا التعقيد يلقي بظلاله على حياة السوريين اليومية، ويجعل من الاستقرار حلماً مؤجلاً، ومن الأمن مطلباً لم يتحقق بعد.
1-هل ستستطيع الحكومة الانتقالية أن ترسي دعائم العدالة والمساواة بين جميع مكونات الشعب السوري؟
2-ما مدى قدرة السوريين على تجاوز إرث الصراع والدمار والانقسام الطائفي والسياسي؟
3-إلى أي حد ستسمح القوى الإقليمية والدولية لسوريا أن تستعيد سيادتها بعيداً عن النفوذ الخارجي؟
4-هل ستنجح المرحلة الانتقالية في تحقيق أمن واستقرار حقيقيين، ينعكسان مباشرةً على حياة المواطن السوري؟
الانتقال السياسي بين آمال الشعب وأجندات الخارج
تحدث عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكوردستاني - سوريا، نافع عبدالله، لصحيفة «كوردستان»، قائلاً: «جميع القرارات الأممية الصادرة بشأن سوريا، نتيجة الصراع الدائر فيها منذ عام 2011، ركّزت بشكل كبير على ضرورة تشكيل حكومة شاملة وغير طائفية، تمثل جميع المكوّنات السورية، ووضع دستور جديد للبلاد، وإجراء انتخابات حرّة وحقيقية بإشراف أممي، وتحقيق التعددية، وضمان سيادة القانون، ومشاركة المرأة، وغيرها من الأساسيات التي تضمن مشاركة السوريين كافة دون إقصاء في الحياة السياسية.
لقد انتظر السوريون طويلاً، وقدّموا تضحياتٍ جسيمةً من أجل إنجاح ثورة الحرية والكرامة. وبعد الإطاحة بنظام الأسد في الثامن من كانون الأول 2024، تنفّس السوريون الصعداء، إلا أن المفاجأة كانت منذ البداية، حين أقدمت الإدارة الجديدة على تشكيل لجنة التشاور من لون واحد، أعقبها اختيار شخصيات وأفراد للمؤتمر الوطني لا يمثلون المكوّنات السورية القومية والدينية والمذهبية... وتلا ذلك الإعلان الدستوري المُحبط للآمال، وتشكيل الحكومة الانتقالية دون الرجوع إلى الممثلين الحقيقيين للمكونات.
ومن هذا المنطلق، وبعد أن أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع تشكيل حكومة انتقالية جديدة، وذلك بعد نحو أربعة أشهر على الإطاحة بنظام الأسد، فإن جهات سياسية أساسية لا تزال تعارض هذه التشكيلة. فقد رفضت القوى السياسية الكوردية، إلى جانب الدروز في السويداء ومناطق أخرى، الحكومة بشكل قاطع، مشيرة إلى أنها خاضعة لسيطرة الدائرة المقرّبة من الرئيس الشرع، ولا تعكس تنوُّع سوريا أو تعدديتها السياسية. ويُعدّ هذا الرفض نكسة كبيرة، إذ يقوّض التقدّم الذي أحرزته الإدارة الجديدة في مساعي إدماج هذه المناطق ضمن إطارها. ومن دون التوصل إلى تسويات، ستتلقى جهود توحيد البلاد سلمياً ضربة كبيرة، مما يزيد الانقسامات، ويضاعف خطر الاضطرابات في المستقبل.
وفي ظل الضغوط الدولية المتزايدة لتحقيق انتقال سياسي شامل، ضمّت الحكومة الجديدة أربعة وزراء من المكونات السورية: مسيحي، درزي، كوردي، وعلوي، من بينهم امرأة واحدة. وعلى الرغم من ذلك، قوبل هذا الإعلان باستياء من قبل المراقبين الدوليين والسوريين، إذ اعتبروا أن هؤلاء لا يمثلون القوميات والأديان والثقافات المختلفة، بل يمثلون أنفسهم فقط.
وشدّدت مصادر على أن إدراج شخصيات مسيحية ودرزية وكوردية وعلوية في التشكيلة الحكومية يعكسُ نهجاً سطحياً يُشبه ممارسات النظام السابق في تمثيل المكونات الدينية والإثنية، ولا يُرسي دعائم العدالة والمساواة بين جميع مكونات الشعب السوري.
وقد سارعت جهات عدة إلى إعلان معارضتها لهذه الحكومة، وإن بشكل منفصل، إلا أن المبررات التي استندت إليها جاءت متطابقة إلى حدّ كبير. فقد كشفت أحاديث خاصة مع مصادر قريبة من هذه المكوّنات أن أبرز ما يثير استياءها هو عدم التشاور معها قبل تشكيل الحكومة. وترى هذه الأطراف أن غياب الحوار المسبق حول المشاركة والتمثيل يجعل من الحكومة الانتقالية كياناً لا يعكس حقيقة التنوع السوري ولا التعددية السياسية».
يتابع عبدالله: «إن الشعبَ السوريَّ شعبٌ حضاريٌّ بكل ما تحمل الكلمة من معنى، سواء على الصعيد السياسي أو الثقافي أو الاجتماعي، وحتى التاريخي. هذا الفسيفساء الرائع يشهد له التجانس الوطني من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، حيث تعايش السوريون، وتحابوا عبر التاريخ. لكن ما عكّر صفو هذا التجانس هو الحكّام الذين اختلقوا الصراعات البينية، تارة باسم القومية وتارة باسم الدين، وسعوا لخلق فتن وانقسامات طائفية أو مذهبية من أجل إطالة أمد بقائهم على كرسي الحكم».
يعتقد عبدالله: «أن شعبنا، بكافة مكوّناته وأطيافه، قادرٌ على تجاوز هذه الأزمة، وخاصة عندما نعترف جميعا بواقعنا، أن سوريا دولة متعددة القوميات والأديان والطوائف والثقافات.
ويضيف عبدالله: «قد نختلف في توصيف الدول الإقليمية والدولية التي تدخلت في الشأن السوري، فهناك دول ساعدت، وتساعد حتى الآن الشعب السوري من أجل نيل حقوقه وحريته، وهناك دول وقفت إلى جانب النظام وقصفت الشعب السوري بمختلف أنواع الأسلحة، بما فيها المحرمة دولياً. وأعتقد أن هناك دولاً إقليمية مؤثرة في الشأن السوري، لها مصالح وتعمل على استبعاد المكونات من المشاركة في الحكومة السورية الجديدة، وقد فرضت أجنداتها بشكل واضح، مثل تركيا، التي تريد أن تلعب الدور نفسه الذي لعبته إيران في عهد النظام السابق.
أما الولايات المتحدة وفرنسا، فتقومان بدور إيجابي وتطالبان الإدارة الجديدة بتشكيل حكومة تشاركية تراعي حقوق جميع المكونات.
ويشير عبدالله: «إلى أنه من المبكّر الحكم على نجاح العملية السياسية وتحقيق الأمن والاستقرار في ظل الإدارة الجديدة، إذ تواجه المرحلة الانتقالية جملة من التحديّات المعقدة، أبرزها ضعف مؤسسات الدولة، والانقسام المجتمعي العميق، وتدخُّلات القوى الخارجية، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي خلّفتها سنوات النزاع الطويلة.
هناك عوامل عديدة تُثقل كاهل الحكومة الحالية، أبرزها انعدام الديمقراطية، وغياب احترام حقوق الإنسان، وحرية الرأي والتعبير، وتهميش دور الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والمرأة.
إن تحقيق الاستقرار وإعادة بناء الدولة يتطلبان إعادة النظر في الإعلان الدستوري وتشكيلة الحكومة الحالية، ومن بين الأولويات أيضاً تعزيز الشرعية السياسية عبر انتخابات ديمقراطية بإشراف الأمم المتحدة، ودعم آليات العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، والتمهيد لإرساء حكم ديمقراطي تعددي ولا مركزي، وكسب دعم المجتمع الدولي لإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار».
الاستقرار السوري بين إرادة الداخل وضغوط الخارج
تحدث رئيس فيدراسيون منظمات المجتمع المدني في سوريا، حسن قاسم لصحيفة «كوردستان»، قائلاً: «بالنظر إلى الوضع السوري الراهن، فإنه يعاني من ضبابية شاملة في مواقفه السياسية والاقتصادية، مما يستدعي تغييرات جذرية ومشاركة فاعلة لجميع الأطياف لتحقيق الاستقرار وبناء دولة تحترم حقوق الإنسان، وتضمن العدالة والمساواة. لذلك، يجب على الإدارة الجديدة أن تتبنى إصلاحات حقيقية تشمل جميع مكونات المجتمع، وأن تتوقف عن الاكتفاء بالتصريحات الرمزية والإدانات الخارجية التي تُبعدها عن مواجهة الواقع الداخلي. فمن المعلوم أن نجاح أي حكومة في سوريا ينبع من قدرتها على تطبيق إصلاحات شاملة وبناء حوار وطني يُعيد ثقة الشعب بالحكومة.
سوريا تقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة مليئة بالتحديات على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية. وهذه التحديات متشابكة ومعقدة، إلا أن التحدي الأمني يبقى الأهم والأكثر إلحاحاً، كونه العامل الأساسي الذي يؤثر بشكل مباشر على باقي التحديات، ويحدّد إمكانية تحقيق الاستقرار المنشود.
أما على الصعيد السياسي، فالسؤال المحوري يكمن في مدى قدرة السوريين على تجاوز الإرث الثقيل من الحكم الاستبدادي وبناء نظام سياسي حديث، يقوم على دستور ديمقراطي يعزّز التعددية، ويضمن حقوق الإنسان، ويتيح تمثيلاً واسعاً لمختلف التيارات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، مما يعيد للسوريين الثقة في عملية سياسية عادلة ومُمثّلة للجميع».
وفيما يتعلق بالتحديّات السياسية، يؤكد قاسم: «على أهمية تأسيس نظام سياسي جديد يضمن الانتقال من نظام استبدادي استمر لعقود إلى نظام ديمقراطي يحقق طموحات السوريين. هذا النظام يجب أن يقوم على دستور حديث يعكس القيم العالمية لحقوق الإنسان، ويعزز التنوع الثقافي والاجتماعي في سوريا. فالانتخابات الديمقراطية الحقيقية ستكون ركيزة هذا النظام، ويجب أن تُنهي عهد الانتخابات الشكلية التي كرّست سيطرة النظام في الماضي بصيغ مشوّهة.
إن مستقبل سوريا الجديدة سيظل مرتبطاً بعدة رهانات، أهمها قدرة السوريين على تحقيق التوافق الداخلي بين مختلف مكونات الشعب. أما التحدي الآخر، فيكمن في تحقيق التوافق بين الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في الملف السوري، حيث تُعتبر هذه التوافقات شرطاً أساسياً لأي عملية إعادة إعمار أو تحقيق للاستقرار».
وفي ظل هذه التحديات المعقدة يضيف قاسم: «أنه يبقى السؤال الأهم هل ستنجح سوريا في تجاوز الانقسامات الطائفية والجغرافية، وإعادة بناء منظومتها الأمنية لتصبح دولة قادرة على تحقيق الاستقرار الشامل؟ وهل سيتمكّن السوريون من التوافُق على نظام سياسي ديمقراطي يضمنُ تمثيلَ جميع مكوّنات المجتمع وينهي عقوداً من الاستبداد؟ والأهم من ذلك، كيف يمكن للاقتصاد السوري أن يتعافى ويستعيد عافيته من خلال مشاريع إعادة إعمار شاملة، في ظل بيئة سياسية وأمنية مستقرة؟
هذه التساؤلات المحورية تضع مستقبل سوريا أمام اختبار حقيقي؛ اختبار لا يعتمد فقط على الإرادة المحلية، بل أيضاً على مدى توافق القوى الإقليمية والدولية في رسم معالم مرحلة جديدة للبلاد.
إن ما يثير استياء الكورد عموماً هو أن الحكومة الحالية وتوجهاتها السياسية لا تتقاطع مع رؤيتهم لشكل الدولة الجديدة، والنظام السياسي والإداري الذي يعتبرونه مناسبا لإشراك مكونات الشعب السوري بصورة فعلية لا شكلية. ويرى الكورد أن دمشق تُصرّ على الانفراد في تقرير مصير البلد»
يختم قاسم: «أن الخلاف الجوهري يكمن بين حكومة الشرع والأطراف السياسية الكوردية في أن الحكومة السورية الجديدة مُصرّة على اعتماد إدارة مركزية يغلب عليها الطابع الديني الممزوج بأيديولوجيا قومية عربية، باعتبارها الشكل الأنسب للحكم. في المقابل، يسعى الكورد وباقي مكونات الشعب السوري إلى دولة فدرالية لا مركزية تتيح مشاركة واسعة لكافة المناطق.
لكن التشكيلة الحكومية الجديدة لم تراعِ المطالب السياسية للكورد وباقي مكوّنات الشعب السوري. لذلك، فإن الحل الوحيد أمام الحكومة الجديدة يكمن في إدارة حوار سياسي جاد مع ممثلي الحركة السياسية الكوردية، بهدف التوصل إلى اتفاق حول المطالب الكوردية التي تتطابق مع مطالب شرائح واسعة من المجتمع السوري.
كما أن عدم اعتراف الحكومة الجديدة بوجود مشكلة تتعلق بتنوع سوريا وإشراك كافة مكوّنات المجتمع بشكل فعلي، سيؤدي إلى إنتاج نظام استبدادي جديد. فسوريا لن تزدهر، وتنجو إلا من خلال حل سياسي حقيقي لمشاكلها الداخلية، لا عبر التملق للخارج ومحاولة إرضائه بإجراءات شكلية».
تحديات العدالة والاعتراف المتبادل في بناء الوطن
تحدّث عضو مكتب الهيئة القانونية في المجلس الوطني الكُردي، المحامي معاذ يوسف، لصحيفة «كوردستان»، قائلاً: «بعد معاناة طويلة، تخلّص الشعب السوري من واحدة من أعتى الديكتاتوريات. فقد خلّف الظلم، الذي دام قرابة خمسين عاماً، الكثير من الأوضاع والآثار التي قد تحتاج إلى سنوات طويلة من العمل، وتضافر الجهود، والتعاون، وإشراك مختلف شرائح وألوان المجتمع السوري في معالجات جادة لإزالة تلك الآثار، وذلك وفق برامج قد تتطلب الكثير من الوقت والجهد. إن الدمار والتشويه الذي لحق بالإنسان السوري لا يقلّ عن ذاك الذي طال البنية التحتية العامة والخاصة.
فبعد هروب رأس النظام وانهيار منظومته الأمنية والعسكرية والحزبية، تنفّس السوريون الصعداء، إلا أن فرحتهم شابها الكثير من الحزن، وذلك بعد فتح المعتقلات، وتحرير مَنْ بقي فيها، والكشف عن آلة النظام الإجرامية وأساليبه الوحشية في التعامل مع السوريين. فرغم أن المعتقلين، بطبيعة الحال، كانوا عاجزين – إذ إنهم معاقَبون بحجز حريّاتهم – فقد تعرّضوا لمختلف أنواع التعذيب، والتي كانت غالباً تنتهي بالقتل. وكانت غرف التعذيب أشبه بمسالخ يقيم عليها وحوش لا بشر.
وشابت عملية فتح المعتقلات حالة من الفوضى؛ إذ ضاعت الوثائق والسجلات، وبقي الكثير من المعتقلين مفقودين دون معرفة مصيرهم. ورغم أن جميع الدلائل تشير إلى أنهم قُتلوا على أيدي الجلادين في تلك المعتقلات التي كانت تفوح منها رائحة الموت، فقد روى الناجون قصصاً تصف مدى وحشية النظام البائد، الذي لم يتردّد في قتل السوريين داخل المعتقلات وخارجها. وهذه أساليب تفرّد بها هذا النظام الوحشي».
يتابع يوسف: «إن الانتقال بسوريا إلى برّ الأمان وتحقيق الاستقرار يحتاج إلى إرادة وطنية سورية يشترك فيها الجميع، وما يحدث الآن بعيد كل البعد عن إشراك جميع السوريين في تقرير مصيرهم، وفق مبادئ جامعة تهدف إلى تحقيق الهدف المنشود.
في جميع البلدان التي عانت من حروب أهلية أو ثورات أو كوارث، تبدأ أولى خطوات التعافي من خلال المشاورات بين القوى السياسية الأساسية، لرسم خارطة طريق وملامح المرحلة الانتقالية، والوصول إلى وضع مبادئ أساسية، منها ما يتعلق بالدستور، وكذلك تطبيق العدالة الانتقالية وفق المعايير الدولية وتجارب الشعوب التي تجاوزت المحن وحققت الاستقرار والأمان».
يشير يوسف: «إلى أن الحكومة السورية الحالية، التي شكّلها الرئيس أحمد الشرع، ستكون عاجزة عن حل الإشكالات والمصاعب التي ستعترضها، وذلك لعدة أسباب:
أولها: أنها لا تمثّل جميع السوريين، إذ لم يتم إشراك القوى السياسية، ولم يُتعامل مع أي تيار أو حزب سياسي في مختلف الخطوات، بدءاً من تشكيل حكومة تسيير الأعمال وصولاً إلى تشكيل هذه الحكومة. وهذا أسلوب تفرّدت به السلطة الحالية، التي من المفترض أنها تستقي شرعيتها من شرعية الثورة السورية، والتي شاركت فيها قوى سياسية عديدة، وكان من الحكمة إشراكها في جميع الخطوات، لتعبّر فعلاً عن إرادة الشعب السوري.
كذلك فإن أسلوب تشكيل هذه الحكومة وتعيين أعضائها من قبل الرئيس دون مشاورة أو رقابة من أية سلطة عليا، يوحي بتفرد مطلق، وتبعث التجارب السورية السابقة على تخوّف جدي من إعادة إنتاج دكتاتورية جديدة.
بهذا الأسلوب، سيكون السوريون عاجزين عن إرساء مبادئ العدالة، وتحقيق المساواة، والوصول إلى حالة من الاستقرار.
ولم تُتخذ خطوات عملية للحد من الخطاب الطائفي المقيت، ناهيك عن الممارسات التي وصلت حد ارتكاب جرائم بشعة طالت المدنيين، وخاصة في الساحل السوري ومدن أخرى. وقد أجّج ذلك الخطاب بقايا النظام البائد، عبر ارتكاب جرائم ضد قوى الأمن التابعة للحكومة الجديدة، غير أن الأسباب الأخرى قد تكون مرتبطة بالشحن الطائفي الذي دام لسنوات طويلة، خاصة من قبل جماعات إيرانية طائفية، إضافة إلى تدخل حزب الله اللبناني الذي ارتكب فظائع بحق السوريين، مستهدفاً دائماً أبناء الطائفة السنية، في إشارة واضحة إلى أن الصراع كان طائفياً، وموجهاً ضد السنة تحديداً.
يرى يوسف: «إن قدرة السوريين على تجاوز التخندق الطائفي والقومي والديني تبدأ من مصالحة وطنية شاملة، وتطبيق مبادئ وأسس العدالة الانتقالية بمساعدة المجتمع الدولي، وعلى رأسه أجهزة الأمم المتحدة، ومحاسبة جميع مجرمي الحرب، بغضِّ النّظرِ عن انتماءاتهم، عبر تقديمهم إلى محاكم تُشكّل وفق أعلى المعايير الدولية. وهذا بدوره سيُنتج حالة من الارتياح العام لدى مختلف مكوّنات الشعب السوري».
يعتقد يوسف: «إلى أن الحكومة السورية الانتقالية، من دون إشراك ممثلين حقيقيين عن الكورد في سوريا، وغيرهم من المكوّنات الأساسية، ستكون عاجزة عن تحقيق أي استقرار، ولن تنجح في أداء مهامها. ومن الحكمة إجراء مراجعة شاملة للإعلان الدستوري، لخلق حالة من الاطمئنان لدى الكورد وغيرهم بأنهم شركاء حقيقيون في رسم مستقبل البلاد.
وأولى الخطوات تبدأ بالاعتراف الدستوري بأن سوريا بلدٌ متعدّدُ القوميات والطوائف والأديان والمذاهب، لخلق حالة من الرضا والطمأنينة لدى جميع السوريين، ليشاركوا جميعاً في صناعة غدٍ أفضل، بعيداً عن سياسات الإقصاء والتهميش.
وما لم يحدث ذلك، فسيكون من الصعب إقناع الكورد، مثلاً، بأنهم لم يعودوا مواطنين من الدرجة الثانية، وأن لغتهم وثقافتهم وحقوقهم القومية لم تعد في خانة المحظورات.
وسيكون من الصعب أيضاً إقناع العلويين بأن تاريخاً من الشحن الطائفي، الذي أجّجه النظام المجرم، قد انتهى، وأن التخوّف من الأغلبية السنية قد زال، إلا من خلال مصالحة شاملة، وضمان دستوري لحقوق الجميع، وكذلك الأمر بالنسبة للإخوة المسيحيين والدروز وغيرهم».
يختم يوسف: «بأن هناك حقيقة بسيطة، هي أن السوريين يحتاجون إلى الاعتراف ببعضهم البعض، وبخصوصياتهم، وإرساء الاحترام المتبادل بينهم. وكل ذلك يجب أن يتضمّنه الدستور الجديد بعبارات واضحة لا تقبل التأويل أو التفسير. هذه هي أولى الخطوات التي ستُؤسس لثقافة جديدة، وعقلية جديدة، تُعبّر بنا جميعاً إلى برّ الأمان».