دور الاعلام في التأثير على الرأي العام
د. حسن كاكي
الاعلام يفترض أن المتلقي لم يعد هو الكائن الخاضع لمفاهيم المخيلة الشعبية التي يمتزج فيها الوهم بالحقائق، ونتيجة لريبة المتلقي بالأخص في العالم الثالث بوسائل الاعلام، وتعامله معها بوضعها وسائل عميلة هدامة لغرض ارادات وايديولوجيات وعقائد ربما لا يؤمن بها المتلقي وكل هذه العوامل حررت المتلقي وجعلته أن يصل الى حدود يعكس خلالها المتلقي عملية التأثير والتأثر وبالأخص في العراق بعد ان نجونا من حقبة زمنية طويلة كان المتحكم بالرسالة الاعلامية هو مرسلها ومرسلها فقط المتمثل طبعاً بالألة الاعلامية المملوكة من قبل السلطة الإعلامية آنذاك. ونتيجة الفاقة والعوز فقد ذاب المثقف والاعلامي والصحفي في السلطة، وأصبح لسان حالها وككتاتيب السلاطين يكتب ما يملي عليه لأن من يعطي المال يأخذ القرار.
نتيجة الظلم والاضطهاد للنظام السابق ظهرت احزاب شيعية وكوردية لهذا وجد الشعب العراقي نفسه ومن حيث لا يدري وبفعل وسائل الاعلام الى مكونات عديدة وبروز الهويات الثانوية على الهوية الوطنية، واصبح هناك ازمة ثقافية وهي عبارة عن شكل من اشكال هيمنة السياسي والايديولوجي على الثقافي وان الازمة الاعلامية في العالم الثالث هي وليدة ازمة مجتمع بأكمله وذلك لأن هذه المجتمعات تمر بمراحل غير مستقرة، ومنها من يمر بمراحل انتقالية ونموذج ذلك الاعلام العربي بشقيه (الممانعة والاعتدال) اللذين يشكلان الطرفين الرئيسين في المنطقة.
بعد التغييرات الأخيرة انقلبت المعادلة الاجتماعية والسياسية في العراق وانقلبت تبعاً لها المعادلة المتحكمة بسير وتوجهات العملية الإعلامية وفتح المد الديمقراطي امام الجماهير الباب على مصراعيه لتكون ذات سلطة مباشرة على هذا الاعلام. وبعد سقوط النظام السابق مباشرة تحركت طوابير الفضائيات الاعلامية المعادية في بث مفاهيم ومصطلحات من شانها زرع الفرقة والتناحر بين مكونات الشعب العراقي المـتآخي.
إن المجتمع العراقي اليوم قد تهيأت له فرصة ليمسك بناصية الحضارة والديمقراطية وهذا ما اتاح الفرصة لظهور اعلاماً مهنياً وحراً وان الدستور العراقي قد كفل للجميع حرية التعبير عن الرأي بالطرق السلمية والقانونية .
صحيح وزارات الداخلية في البلدان العربية وغيرها قد أعلنت عن ضوابط جديدة تحد من حرية التظاهر والتعبير عن الرأي. ولكن حرية التعبير لا تمنح ولا تعطى، بل تنتزعها الشعوب من الانظمة والحكومات وعلينا ان نميز بين السلطة والدولة، حيث ان هناك من يريد اليوم ان يمزج بين السلطة والدولة لإعادة الدكتاتورية ونحن نقول لهم ان هذا أصبح من الماضي وانه لن يعود.
بعض الأقلام تستغل مهنة الإعلام الشريفة لتضليل الرأي العام، ولكن على البعض أن يعي إن من أهم الرسائل التي يبعثها الاعلام المهني الحر هي الدعوة الى بناء منظومة من القيم والقوانين في الدولة الحديثة القائمة على العدل والمساواة والديمقراطية.
الإعلام في العراق اليوم يحتاج الى تشريعات وقوانين تنظم عمله وخصوصاً قانون هيئة الاعلام والاتصالات وان التشريعات التي تنادي بها لا تعطي الحق بالحرية بل تقوم بتنظيم العمل الاعلامي. وعن طبيعة عمل هيئة الاعلام فتجربة هيئة الاعلام والاتصالات هي تجربة فريدة في المنطقة وان التراخيص التي تعطى من قبل الهيئة لا تعني اجازة العمل بل هي لتنظيم العمل الاعلامي ولا تعني ايضاً التدخل في عمل الجهات والمؤسسات الاعلامية كما ان الهيئة تعمل الآن على ان يتيح لها القانون ان تدعم وسائل الاعلام مادياً من العوائد المالية للهيئة.
كما ان الصحفي لا يحمى بقانون بل يحتاج الى قانون ينظم عمله ويتيح له العمل بحرية ومهنية وان صدور قانون الاعلام العراقي سوف يضمن عدم العودة الى اعلام الانظمة الشمولية والدكتاتورية ونحن بأمس الحاجة الى قانون يكفل حق الوصول الى المعلومة تحت مظلة قانونية وقيمية تحمي الاعلامي وحقه في ممارسة هذه المهنة.
وهناك العديد من القوانين واللوائح العالمية تؤكد على ضرورة حرية الإعلام منها:
1 - عدم الحث على الكراهية والإرهاب.
2 - الاعلام يراقب بحيادية ويكشف الخروقات.
3 – عدم تهديد جهة معينة بسبب راي نشرته الامر الذي يدفع الكثير من الصحف التي تطمح الى الاستمرار بأقل خسائر بشرية ممكنة الى اعتماد الازدواجية في عملها والى مسايرة الثقافة الاجتماعية الحالية.
3 – يجب ان لا تكون موجهة من كتل للنيل من الكتل الأخرى.
4 – لا تقذع في شتيمة وتعنيف وازدراء الآخر.
5 – يجب اسقاط التخوين ونهج المؤامرة والتمييز العنصري والمذهبي والديني.
6 – تكون بلغة مبدئية واخلاقية بعيدة عن النفاق والتحريض وتسفيه ما هو جاد وحقيقي مثل المثلث السني والهلال الشيعي وهكذا دواليك.
7 - التزوير قد لا يكون تزويرا للأحداث فقط انما قراءة منحازة لهذه الاحداث تركز على بعضها وتهمل شان البعض الآخر.
8 - المحافظة على سلامة النهج الصحفي وصدقيته وعدم اسناد التهم الى اية جهة دون دلائل وبراهين.
الإعلام سلطة رابعة ووسائل الاعلام من الصحافة والاعلام المرئي والمقروء والمكتوب هي سلطة مفوضة من قبل الشعب ويجب ان تمنع تسيس القضاء ضدهم والشراكة العادلة في الحكم وهذا يتطلب ان يكون صوتهم واحد وتتبنى فكرة ليست عربية أو إسلامية بل عراقية تشارك الشعب أحزانهم ومخاوفهم ومشاعرهم وتضع الخطط الحكيمة ليس فقط لحمايتهم من الإرهاب بل من العوز والفاقة والشعور بالتهميش وعدم الثقة بالمستقبل.
حول واقع الإعلام في اقليم كوردستان فان التحول الديمقراطي الكبير الذي شهده الاقليم قد اتاح مساحة واسعة من الحرية مما ادى الى ظهور تيارات سياسية وفكرية متعددة، ولا يكمن العيب في تعددها بل في ادعاءات كل منها بمصداقية وصحة توجهها دون الاخرين وكأنها هي التي تحمل المفتاح السحري لحل العقد والمشاكل كلها، وبناءً على هذا ظهرت جهات اعلامية لم تستثمر اجواء الحرية والديمقراطية بالشكل الصحيح وحولت مؤسساتها الاعلامية الى منابر للتشهير والتسقيط وفي الضفة الاخرى انتهز الاعلام الحر الرصين هذه الفسحة من اجل النقد البناء والرصين لتقويم عمل السلطات والاجهزة التنفيذية.
كما ان تجربة الصحافة الكوردية، كعمل ومهنة ومؤسسات منظمة ومتواصلة، هي تجربة جديدة الى حد ما، يعود تاريخها الى ما بعد الانتفاضة المجيدة لشعبنا الكوردي في عام (1991م)، أما كمسيرة تاريخية متقطعة وكوسيلة للتعبير عن هوية الكورد وكوردستان وجزء من الثقافة الكوردية، فهي تعود الى أكثر من قرن وعقدين من الزمن.. والصحافة الكوردية ليست بمستوى طموح الشعب الكوردي لحد اليوم ليست بمستوى الطموح لأن الطابع الغالب عليها هو السياسة والصراعات الحزبية، فضلاً عن غياب المهنية المطلوبة والابتعاد عن أخلاقيات الصحافة لدى الكثير من صحفنا ومجلاتنا الكوردية. وعلى الرغم من التطور الذي شهدتها الصحافة خلال السنوات القليلة الماضية ولا سيما بعد سقوط نظام صدام، سواء من الناحية التكنولوجية او من حيث استخدام الأساليب الصحفية والاعلامية الحديثة في نقل الأحداث والتغطيات، الا انها لم تتخلص من المشاكل التي تكتنف مضمونها ورسالتها الصحفية والدليل على ذلك الضعف الذي بدى عليها ابان ظهور تنظيم داعش الإرهابي واحتلاله مناطق شاسعة من العراق والإقليم .
ناهيك عن انقسام القنوات الاعلامية وحتى الصحفيين أنفسهم بين الأحزاب والتوجهات السياسية المختلفة وأصبح من النادر ايجاد صحفي أو اعلامي لم يتأثر وبقي غير منحاز الى جهة معينة وبالتالي انعكس هذا التأثر على المضمون الصحفي والرسالة الاعلامية للقنوات ما أدى الى تراجع ثقة المتلقي بتلك القنوات وتوجه الى البحث عن قنوات بديلة وجدها البعض في مواقع التواصل الاجتماعي.