بين هنا وهناك

 بين هنا وهناك

شمس عنتر
كثرت في الآونة الأخيرة تبادل الآراء المختلفة وحتى الاتهامات بين المناضلين داخل الوطن والمناضلين خارج الوطن. معلوم أن الذين في الداخل، الأحداث تمسُّهم مباشرة حتى أنها تصبح شخصية أحياناً فتحتم عليهم التفاني والالتزام بنضالات المجتمع إلى الحدود التي تتجاوز إمكاناتهم المحدودة، وقد يصلون إلى تجاهل احتياجاتهم الشخصية ليتمكنوا من تأمين النجاة لمجتمعهم.
فالمدافع عن الحقوق هنا يعني أن يكون قائداً لصناعة التغيير وصوتاً لمن لا صوت لهم. ومعلوم حجم المعوقات والمخاطر. الصمود هنا لا ينبع من الشغف بقدر ما ينبع من تشارك الضحايا ومرارة تجاربهم. المناضل هنا أحياناً شعوره بالارتياح مبعث قلق له لأن الصراعات في داخله لا تنتهي عندما يعجز عن تحقيق مطالب الشارع. والسؤال يطرح نفسه: لماذا أنا هنا ولست هناك؟، لو قدر لنا أن نطرح هذا السؤال على كارل ماركس لكفّر بالذين هنا والذين هناك. فما دامت القضية واحدة ليعمل كلٌّ من جهته، وفي النهاية المصب واحد. فالذي هنا، يكره، ويحب، ويتنفس، ويعادي، ويحابي على وقع القضية. يلازمه الشك أن ثمرة جهوده لن تتجاوز جيوب رافعي الشعارات. البعض من هنا والبعض هناك اتّخذوا من القضية تجارة رابحة، وبعضهم يقتطع من لقمة أولاده من أجلها. الطرفان عانى التشظي والتشذر. من "هناك" كان رأي الأستاذ تنكزار ماريني عن المناضل، "المناضل هو المثقف المتنور النشيط الذي يتقن تسخير العلاقات لخدمة قضيته. كذلك يجب أن يكون ملماً بكافة جوانبها ويحسن شرحها ونقلها لجهات القرار. يتقن التعامل مع الآخر، ويكون مطّلعاً على ثقافة الآخر، وأن يقوم بأعمال جديدة ملفتة للنظر ومرغوبة من قبل المجتمعات التي يتواجد فيها. حالياً وسائل التواصل الاجتماعي، والإعلام بشكل عام متاح للطرفين، والذين في الخارج عليهم عدم الانحلال بمجتمعات اللجوء بل الانسجام معها، وعليهم العمل على إيصال القضية الكوردية إلى الجهات الأممية، وعليهم أن يكونوا سنداً وعوناً وداعمين للذين في الداخل. عليهم دعم التعليم والإعلام والحركات السلمية والبيئية، والعمل على جلب الوفود السياسية والاقتصادية والإعلامية إلى داخل الوطن وبناء علاقات مع مختصين لخدمة أهلهم ". ومن "هنا " كان رأي الأستاذ الحقوقي نايف جبيرو، "كثيراً ما يتم ومن قبل الكثيرين وخاصة في الوسط السياسي تناول كلمة المناضل وإطلاقها على أشخاص كصفة ملاصقة لهم لمجرد أنهم سجنوا أو اعتقلوا لفترة وجيزة لسبب انتمائهم السياسي أو لموقفٍ أو إبدائهم لرأيٍ مخالف ثم أطلق سراحهم ولربما لكتابتهم لتعهد خطّي على أنفسهم ألا يتم معاودتهم للفعل المرتكب المسبّب للسجن أو الاعتقال، وهذا خطأ. الشخص المسمى بالمناضل هو ذاك الذي يسبق غيره من أتباعه ومؤيديه في قول الحقيقة وبصورة مستمرة رغم المخاطر الجمّة التي قد تلحق به، ثم أن صفة المناضل لا تصبح ملاصقة به، ولا تصبح إحدى صفاته ما دام حيّاً لأنه ولربما في أية لحظة قد يتراجع ويصبح عكس ما كان يوصف به، ثم أن الشخص الذي يوصف بالمناضل لا يشترط أن يكون مقاتلاً يقاتل في ساحات المعارك، أو قائداً سياسياً بل أن العمل النضالي يشمل كافة مجالات الحياة، فقد يكون النضال في مجال الفكر والنقد، وقد يكون في مجال الإعلام، أو في مجال السياسة والفلسفة أو أي مجالٍ آخر من مجالات بناء الحياة الاجتماعية ما دام هذا العمل يحمل في طياته مخاطر على حياته من أجل إعلاء كلمة الحق والعدل.
العمل النضالي قد يكون في الداخل وقد يكون في خارج الوطن، إلا أن العمل النضالي داخل الوطن يبقى ذا قيمة أكبر وسمة نضالية أرفع كونه يحمل في طياته مخاطر أكبر وصدقية أكثر لمعرفة الجوهر النضالي في تحمّل المخاطر الحقيقية في حين أن المناضل الذي يعيش خارج حدود الوطن لديه فسحة أكبر من قول الحقيقة دون أن تصل إليه يد السلطة التي ينتقدها وتنال منه سطوتها مما يقلّل من قدر وقيمة سمته النضالية من أنه لو كان في داخل الوطن هل كان سيتسم بنفس الجرأة.؟ لكنه وفي ذات الوقت يفترض أن يكون هناك تعاون وتكامل في العمل النضالي بين من يعيش في الداخل ومن يعيش في الخارج ما دام هناك ما يجمعهم من هدف واحد في نصرة العدل وإحقاق الحقوق.