نهاية إنتاج الأفكار المنفلتة من عُقال الشرعية

نهاية إنتاج الأفكار المنفلتة من عُقال الشرعية

موسى موسى
بمنهجية وضعها لنفسه، رويداً رويداً، بإحكام، وضع قبضته على كافة مفاصل الحياة الحزبية والدولة، حتى أصبح هو المحور الأساس الذي تدور كافة السياسات والأماني حوله بمساعدة المؤسسات الأمنية التي أنشأها لتدور في فلكه، هكذا كان حافظ الأسد، الذي ضبط- كما يريد لنفسه- كل شيء في الدولة والحزب، غير متهاونٍ- إلا ما ندر- مع دُعاة الإصلاح والتغيير والحقوق الفردية والجماعية، صاباً جام غضبه عليهم بتهمٍ مفبركة جاهزة تمسُّ أمن الدولة وهيبتها واقتطاع جزءٍ منها، ناهيك عن كافة أشكال الإقصاء والإلغاء والحصار ومحاولات المحو التي طالت شخصية الإنسان وثقافته ولغته وتنظيماته الاجتماعية والثقافية والسياسية لصالح فكرٍ أحاديٍ، بغضّ النظر عن إيمانه به أو بذريعته، طالت في بداياته الحلقة الضيّقة المحيطة به لتتوسع الدائرة لتشمل سوريا كلها، ولَم يقف عند هذا الحد، بل توسعت لتشمل الأقطار المحيطة والبعيدة.
هذا الكابوس الذي استمدّ قوته من أطراف دولية عدة بعلاقاته الاخطبوطية جعل من سوريا وشعبها في بوتقة الانحلال والانصهار أو في المعتقلات المجهزة خصيصاً والتي لا تقل سوءاً عن معتقلات النازية والفاشية.
هذا الحصار الذي طوّق به الشعب لم يستطع كسر الإرادة، ولَم يستطع أن يُخرِجَ النضال السلمي المنظم على أسس من التاريخ والجغرافيا والحقوق الشرعية ومبادئ حقوق الإنسان أفراداً وجماعات من عُقال تلك الشرعية، فبات النضال، رغم قساوة الحصار عليه، نضالاً لم يخرج عن شرعيته.
لم ينتهِ الأمر بمجيء خلفه، بشار رغم الاختلاف الطفيف بين الحقبتين، إلى أن كشّر أنيابه أكثر من حقبة أبيه بمجرد أن رفع الشعب رأسه، وأطلق كلمته منادياً بالحرية والإصلاح، مستهدفاً تدمير كافة المدن والبلدات والقرى على ساكنيها، لتظهر حقبته عن إنتاج أفكارٍ لا تمت الى الواقع، ولا إلى التاريخ والجغرافيا وحقوق الإنسان والشعوب من أطراف متعددة أولها النظام نفسه ومن يواليه، ومن ثم من الخارجين عنه بدعوى الإصلاح والحرية والوطنية والتمسُّك بها ليست كلها إيماناً، بل أغلبها كتمسُّك نظامي الأسد الأب والابن بها، والتي نتائجها في الحقبتين ظاهرةً للعيان للقريب والبعيد، ومنها إنكار الوجود القومي الكردي كثاني أكبر قومية في البلاد.
إنتاج هذه الأفكار المنفلتة، من الكثيرين، عن عُقال الشرعية الدولية وحقوق الشعوب تضرّ بغالبية الشعب السوري ومكوّناته، من خلال النظرة الدونية لمكوّنات الشعب السوري وجوداً ولغةً وثقافةً ومشاركة في إنتاج حضارة المنطقة، وكأنّهم ينتظرون منحةً بِمِنّةٍ من غيرهم الغالبة، متناسين أنهم كلهم سواء في هذا الوطن، ولكلٍّ حقوقه المتساوية قومياً ووطنياً، وكلهم شركاء في إدارة الدولة وحكمها ومواردها، ومساواةً في الحقوق والالتزامات، وإلا كانت الثورة فقط ضد السلطة من أجل السلطة، وليس لإصلاح الخلل في بنية التفكير ووضع نهاية لإنتاج الأفكار اللاشرعية بصبغة المشروعية بهدف تدمير الانسان وقيمه وكرامته وكسر إرادته والحصار على لقمة عيشه.
لو كانت الأفكار في حدّها الأدنى متطابقة لما وصلت سوريا الى ما عليها في الحقبتين، ولَما بقيت التسوية السياسية في عنق الزجاجة التي- على ما يبدو- ستستمر، ولو بقي الإنتاج المنفلت للأفكار المنفلتة عن الواقع والشرعية، لدى البعض، سنكون أمام إنتاج دولة لا وطنية، دولة عرجاء، سقوطُها حتميٌّ إلى أن تتساوى فيها كافة المكوّنات في الشراكة الحقيقية حكماً وإدارة وتمثيلاً وحقوقاً في وجوده دستورياً كركنٍ أساسي في بداية بناء الدولة الوطنية.
٢٣/٢/٢٠٢١