عبدالله إمام: رد على د. كمال اللبواني في ما يخص المسألة الكردية

عبدالله إمام: رد على د. كمال اللبواني في ما يخص المسألة الكردية

في رسالته الموجهة إلى الكورد السوريين في 31 يناير 2021 عبر اليوتيوب يتناول السيد د. كمال اللبواني الموضوع الكوردي فيتطرق إلى جوانب متعددة منها سياسية وتاريخية.. مركزاً على اللغة الكوردية ومدى واقعية طرحها كلغة رسمية لسوريا.
وإذ يبدأ من اللغة الكوردية ثم يعود إليها بعد أن يمر بجوانب سياسية وتاريخية للقضية الكوردية، فإني سأبدأ بمحاورته في هذه النقطة ثم أنتقل إلى النقاط الأخرى التي طرحها.
في مطلب قبول اللغة كردية لغةً رسمية:
يتناول د. اللبواني مطلب رسمية اللغة الكوردية بشيء من السخرية وبأسلوب يحاكي السذاجة والاستخفاف حيث يستنتج أن جعل اللغة الكوردية لغة رسمية في الدولة إلى جانب اللغة العربية سيؤدي إلى البيروقراطية حيث أننا سنكون مضطرين إلى تعيين موظف كوردي إلى جانب كل موظف عربي في الدولة فيتضاعف عدد الموظفين، وأن الموظف الكوردي سيؤدي فقط دور الترجمة، ومن أجل أن يستطيع القيام بدوره كمترجم فإننا سنعلمه اللغة العربية، كما أن توظيف الكورد بهذا الشكل سيكون على حساب الإنتاج لأننا سنسحب جميع الكورد من سوق العمل ونحولهم إلى موظفين مترجمين لدى الدولة.
وإذ يرى د. اللبواني أن المطلب الكوردي هذا غير معقول فهو يسأل الكورد إذا كانوا يقبلون باللغة الكوردية لغة رسمية بديلة عن اللغة العربية، لكنه يضيف على سؤاله سؤالاً ساخراً بقوله: «عندكن كادر؟» وهو يقصد أن الكوردي سيكون مطلوباً منه إتقان اللغتين العربية والكوردية ليحل محل الموظف العربي، وهنا يشبه الأمر بمن يمد يده اليسرى من الخلف لمسك أذنه اليمنى.
ويرى في النهاية أن «لغتين رسميتين يعني فشل للدولة، يعني بيروقراطية هائلة» إذ سيتم توظيف جميع الشعب الكوردي في سوريا كمترجمين وفي النهاية سيُحكى ويُكتب ويتقرّر كل شيء باللغة العربية بحسب قوله، وبالتالي فهو يرى أن الموضوع غير «مزبوط».
هذا الشكل الساذج من تناول موضوع جدي يضعني أمام أحد استنتاجين:
فإما أن د. اللبواني لا يدرك من الدولة وكيفية إدارتها وتجارب الدول ذات اللغات الرسمية المتعددة شيئاً، أو أنه يتعمد تمييع الموضوع وتخويف العامة من السوريين وحشدهم ضد أبسط حق من الحقوق القومية الكوردية في سوريا، حق اعتبار لغتهم لغة رسمية.
هنالك العديد من الدول التي بها أكثر من لغة رسمية، وسأكتفي بمثال واحد هو سويسرا التي توجد فيها ثلاث لغات رسمية: 62.6٪ من الناطقين بالألمانية، 22.9٪ من الناطقين بالفرنسية، 8.2٪ من الناطقين بالإيطالية، وجميع هذه اللغات متساوية لا أفضلية لإحداها على الأخرى بالإضافة إلى لغة رابعة هي الرومانشية التي ينطق بها 0.5٪. ومن بين تلك اللغات هنالك ثلاث لغات ممتدة إلى دول الجوار: الألمانية – ألمانيا، الفرنسية – فرنسا، الإيطالية – إيطاليا، ويتم التعامل مع كل لغة منها كلغة رسمية أولى في المقاطعة التي يقطنها أغلبية من الناطقين بها ولغة رسمية ثانية في بقية المقاطعات، فهل من المفروض – إذا اعتمدنا على قاعدة د. اللبواني – أن يعمل جميع السويسريين مترجمين؟ وأظن أنه إذا طبقنا تلك القاعدة فإن سويسرا ستضطر إلى استيراد موظفين مترجمين من دول أخرى حتى.
الأمر بسيط جداً، إذ يكفي أن يتعلم التلاميذ لغتهم الأم ولغة أخرى يختارونها من بين اللغات الرسمية الموجودة. وإذا زرت سويسرا فستجد أن كل مقاطعة تعتبر لغتها الرسمية هي الأولى وباقي اللغات لغات رسمية ثانية، وكل موظف في المقاطعات الناطقة باللغة الألمانية يتقن اللغة الفرنسية أو الإيطالية أو أحياناً كلتيهما، والموظف في المقاطعات الناطقة باللغة الفرنسية يتقن اللغة الألمانية أو الإيطالية وهكذا..
وفي الحالة السورية يكفي أن تكون اللغة العربية لغة رسمية أولى في المناطق ذات الأغلبية العربية وثانية في المناطق الأخرى، واللغة الكوردية لغة رسمية أولى في المناطق الكوردية وثانية في المناطق العربية، وهكذا..
فلا داعي لتعطيل الإنتاج ولا لتضخيم عدد الموظفين في الدولة ولا للقلق من أي فشل للدولة. فهذه الهواجس هي من نسج الخيال وهي ناجمة إما عن قصور معرفي أو ذهنية إقصائية.
في مطلب ومفهوم الفيدرالية:
ينتقل د. اللبواني إلى موضوع الفيدرالية، فيتهم الكورد بأن الأمريكان هم من يقفون وراء مطلبهم بالفيدرالية، ناسياً أن الكورد كانوا يطالبون بفدرلة سوريا قبل أن يأتي الأمريكان، وأن مطلب الفيدرالية هو مطلب لكل سوريا ويخدم مصلحة كل السوريين وليس الكورد وحدهم.
وفي معرض سعيه لإثبات عدم واقعية المطلب الكوردي يؤكد على أن لا أغلبية للكورد داخل مناطقهم جازماً أنهم لا يشكلون أكثر من ثلث السكان في منطقة شرقي الفرات، ولا أدري من أين أتى بهكذا إحصائية؟ وأبعد من هذا يؤكد على حق الأغلبية (يقصد العربية) «باسم الدولة وبعلم الدولة وبعاصمة الدولة ولغة الدولة والسياسة الخارجية للدولة هذا حق من حقوق الأغلبية». حسب زعمه، وهذا يعني أن جميع المكونات الأقل عدداً مرتهنة بقرار المكونات الأكثر عدداً وأن الأغلبية هي من يحق لها أن تفرض هويتها على الجميع.
بعد ذلك يتناول مفهوم الفيدرالية ونشأتها، فيقع في مغالطات تكشف أحد أمرين: إما جهله بمفهوم الفيدرالية وتاريخ نشأة الدول الفيدرالية، أو تعمُّده تضليل الناس وتشويه الحقائق للالتفاف عليها. فيجزم دون وجه حق أن كل الدول الفيدرالية نشأت من دول مستقلة ولا يجوز طرح الحل الفيدرالي لدولة واحدة بل هو ينطبق حصراً على حالة اتحاد دول مستقلة، ويأتي بأمثلة تخالف الحقيقة والتاريخ في محاولة لتأكيد كلامه، وينسى أو يتناسى الدراسات المقارنة التي تبين أن الدولة الفيدرالية يمكن أن تنشأ بإحدى طريقتين :
- إما انضمام عدة ولايات أو دول مستقلة يتنازل كل منها عن بعض سلطاتها الداخلية وعن سيادتها الخارجية ثم تتوحد ثانية لتكوّن الدولة الفيدرالية على أساس الدستور الفيدرالي.
- أو تفكك دولة بسيطة موحدة إلى عدة وحدات ذات كيانات دستورية مستقلة ثم اتحادها على أساس فيدرالي.
وهذا الخيار هو الأقرب للحالة السورية بواقعها الحالي المعروف للجميع.
في تاريخ الكورد وأصالة وجودهم في المنطقة:
يأتي د. اللبواني إلى التاريخ فيخطئ في قديمه وحديثه. ففي معرض تشكيكه بأصالة الوجود الكوردي في المنطقة تاريخاً وحضارةً يشكك د. اللبواني بأصول الكورد من الميتانيين كمثال ويشبّه حقيقة انحدار الكورد من أجدادهم الميتانيين بطرح اليهود أن داوود كان هنا من ألفي سنة ويدعي أن هنالك انقطاعاً تاريخياً كبيراً، ويدعم ادعاءه بتساؤلات من قبيل: هل الكورد عرق، أم حضارة؟ وهل هم شعب أم مجموعة؟ فيصل إلى نتيجة مفادها وجود مشكلة في الهوية الكوردية. ثم يناقض نفسه فيقول بأننا نعيش مع بعضنا منذ ألاف السنين ضمن تشارك كامل، ثم يأتي بفرضية تاريخية جديدة بالقول بأن هذه المنطقة كانت مهجورة ثم جئنا وسكنناها.
ثم يتمادى في التشكيك بأصالة الوجود الكوردي في المنطقة فيتحدث عن الهجرات والانزياحات التي حدثت نتيجة الحروب دون أن يوضح هل الكورد هم من سكان المنطقة الأصلاء أم جاؤوا نتيجة نزوح أو انزياح أو هجرة؟ ثم يقول بأن الخريطة الحالية للمنطقة هي خريطة سايكس – بيكو ناسياً التعديلات التي طرأت على الحدود السياسية بعد هذه الاتفاقية، بدءاً من معاهدة سان ريمو عام 1920 ومروراً باتفاقية الموصل عام والمعاهدات الحدودية بين سوريا وتركيا ووصولاً إلى ضم لواء اسكندرونة إلى تركيا عام 1939.
في تناول وحل القضية الكوردية:
بعد ذلك يدخل في الجغرافيا السكانية فيجزم بعدم إمكانية وضع حدود بين الكورد وغيرهم بسبب تداخل المناطق والقرى واستحالة الربط بينها وترسيم الحدود، ثم يقول أنه سيكون مع حق تقرير المصير للشعب الكوردي في حال تقرر تغيير حدود المنطقة بأكملها على أسس جديدة وحينها يمكن أن تنشأ حالة فيدرالية تشمل الترك والفرس والعرب والكورد، وإلا فلا مجال لا للفيدرالية ولا لحق تقرير المصير سواء في سوريا لوحدها أو في أية دولة أخرى من دول المنطقة التي يشكل الكورد جزءا من تركيبتها.
ثم يتساءل إذا ما كان الكورد قادرين على تغيير خارطة المنطقة أم لا، وفي حال عدم قدرة الكورد على تغييرها يضعهم أمام خيارين للوصول إلى غايتهم: خيار القوة بالاعتماد على الدعم الأمريكي، أو خيار التفاوض الذي يصر على أنه غير ممكن مادام الكورد متسلحين بالقوة، أي عليهم التخلي عن قوتهم أولاً قبل الدخول في التفاوض، وبالتالي العودة إلى نقطة الصفر، ولا يكتفي بهذا بل يطلب تأجيل الحوار إلى ما بعد تحرر السوريين وحصولهم على سيادتهم واستعادة قرارهم. يعني بالنتيجة هو يطلب حواراً بعد أن يتخلى الكوردي عن قوته المكتسبة ويستعيد الجانب المقابل قوته المفقودة، ويطلب تأجيل تناول وحل القضية الكوردية إلى ما بعد عودة اللاجئين وتحسين وضع سوريا كبلد وتحقيق الديمقراطية وضمان احترام حقوق الإنسان... قائلاً أن القضية الكوردية ستبقى حية ما دام الكورد أحياء وما داموا يناضلون في سبيلها فسينالون حقوقهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ