الثورة السورية من جراح الاستبداد إلى فجر الحرية الجامعة

الثورة السورية من جراح الاستبداد إلى فجر الحرية الجامعة

جوان علي

بدأت الثورة السورية في مارس 2011 كتعبير عن أمل شعبٍ عاش لعقود طويلة تحت حكم نظام قمعي سلطوي، ساعياً نحو الحرية والكرامة والعدالة. كانت البداية سلمية، حيث خرج السوريون من مختلف الأعراق والمكونات إلى الشوارع مطالبين بأبسط حقوق الإنسان: حق العيش بحرية دون خوف، وحق التعبير عن الرأي دون قمع، وحق اختيار مستقبلهم دون وصاية. لكن هذه الأحلام البسيطة قوبلت برصاص حي، واعتقالات تعسفية، وتعذيب وحشي في أقبية السجون.
لم تكن معاناة السوريين وليدة لحظة الثورة، بل امتدت لعقود طويلة، خاصة بالنسبة للكُرد، الذين يعيشون على أرضهم التاريخية.
واجه الكرد سياسات ممنهجة من الإقصاء والتهميش والاضطهاد الشوفيني تحت حكم النظام البعثي. بدأت هذه السياسات بممارسات عنصرية، مثل (الإحصاء الاستثنائي عام 1962)، الذي جرد مئات الآلاف من الكُرد من جنسيتهم السورية، وحوّلهم إلى "مكتومي القيد"، مما حرمهم من أبسط حقوق المواطنة.
كما طبّق النظام مشروع (الحزام العربي) في سبعينيات القرن الماضي، حيث استولى على الأراضي الزراعية للكُرد، ووزعها على عائلات عربية تم توطينها قسراً في مناطق الكُرد، بهدف تغيير التركيبة السكانية وطمس الهوية الكُردية. أضف إلى ذلك منع الكُرد من التحدث بلغتهم أو تعليمها، وحرمانهم من التعبير عن ثقافتهم وتراثهم.
عندما انطلقت الثورة، وجد الكُرد فيها فرصة للتخلص من الظلم التاريخي الذي عانوا منه، فانضموا إلى الحراك الثوري، مؤمنين بأهمية التغيير لتحقيق المساواة والعدالة لكل مكونات سوريا. في مدن وبلدات من قامشلو إلى كوباني وعفرين إلى ديرك، خرج الكُرد جنباً إلى جنب مع العرب والمكونات الأخرى، مطالبين بإسقاط النظام وبناء دولة ديمقراطية تحترم حقوق الجميع.
لكن النظام لم يتوانَ عن قمع الكُرد بوحشية كما فعل مع باقي السوريين. استخدم القمع الأمني، والاعتقالات، والتعذيب بحق الناشطين الكُرد، وحاول تمزيق صفوف الثورة عبر إذكاء الفتن العرقية.
منذ البداية، أظهر نظام بشار الأسد استعداده للتشبث بالسلطة مهما كان الثمن. استخدم الأسلحة الثقيلة والقصف العشوائي، وفرض الحصار على المدن الثائرة. لم تقتصر جرائمه على مناطق العرب السوريين، بل طالت المناطق الكُردية أيضاً.
كما حاول النظام استغلال التوترات التاريخية بين المكونات السورية لتقسيم الشعب، لكنه فشل في تحقيق ذلك. فقد أدرك السوريون، عرباً وكُرداً وسرياناً وآشوريين، أن مستقبلهم مرتبط بوحدتهم، وأن العدالة لن تتحقق إلا بزوال النظام الاستبدادي.
على الرغم من الألم والمعاناة، لم يفقد السوريون إيمانهم بالحرية. صمد الشعب السوري بكل مكوناته في وجه آلة القمع، وواصل الكفاح في الداخل والخارج، مؤمنين بأن النصر لا يأتي إلا بالصبر والتضحية. لعب الكُرد دوراً مهماً في حماية مناطقهم والدفاع عن حقوقهم، في الوقت الذي سعوا فيه إلى تحقيق أهداف الثورة في بناء سوريا حرة وديمقراطية.
وبعد سنوات طويلة من الكفاح والمعاناة، تحقق أخيراً النصر المنتظر: سقوط النظام وهروب الطاغية بشار الأسد. كانت تلك اللحظة تتويجاً لنضال ملايين السوريين، عرباً وكُرداً، الذين ضحوا بحياتهم من أجل مستقبل أفضل.
في اليوم الذي أعلن فيه سقوط النظام، ارتفعت التكبيرات والهتافات في كل أنحاء سوريا. أُفرج عن آلاف المعتقلين الذين كانوا يقبعون في ظلمات السجون، واستعادت الأرواح التي رحلت في سبيل الحرية راحتها. أصبحت سوريا أخيراً مكانا يشعر فيه الجميع بالأمان والكرامة، وعادت الحياة إلى المدن والقرى التي دمرتها الحرب.
الثورة السورية ليست مجرد حدثٍ في التاريخ، بل هي قصة كفاحٍ جماعي لشعب مناضل. إنها دليل على أن الظلم مهما طال أمده، فإن نهايته حتمية. وبينما يحتفل السوريون اليوم بالنصر، فإنهم يدركون أن الحرية لا تعني فقط التخلص من نظام استبدادي، بل بناء وطن يحتضن الجميع على قدم المساواة، ويحترم حقوق جميع مكوناته، ويضمن العدالة لأرواح الشهداء الذين حلموا بسوريا ديمقراطية وحرة.