سوريا على عتبة نفقٍ مظلم

سوريا على عتبة نفقٍ مظلم

دوران ملكي

بشكلٍ مفاجئ وغير متوقع، تسارعت الأحداث، وتوالت الانسحابات لجيش النظام السوري أمام فصائل هيئة تحرير الشام ودون علم باقي فصائل المعارضة وبسرعة البرق سقطت مدينة حلب ثم تبعتها مدينة حماه وتم محاصرة مدينة حمص الإستراتيجية وكان الظن إن النظام وحزب الله اللبناني المتواجد بكثرة في ريف حمص الغربي سوف يدافعون عن المدينة كونها صلة وصل بين دمشق والساحل السوري حاضنة النظام
وانسحبت منها أيضاً وسقطت دمشق قبل أن يصل إليها المحررون واستلم الأهالي ريف دمشق دون مقاومة وسجل التاريخ بداية حقبة جديدة بسقوط دكتاتور دام أربعة وخمسين عاماً.
انتهى حكم عائلة الأسد ولم ينتهِ السؤال عن كيفية السقوط وما هي الصفقات التي حدثت؟ وكيف انهار الجيش العرمرم أمام عشرين ألف من المقاتلين؟ ألا تشبه سقوط الموصل في 2015 حيث ترك سبعون ألفاً من الجيش العراقي أسلحتهم المتطورة الأمريكية الصنع وهربوا أمام سبعة آلاف من الدواعش وبحصولهم على السلاح النوعي ازدادت قوتهم أضعاف مضاعفة وتحولوا ككرة ثلجٍ تكبر بتحركها وأعلنوا دولة الخلافة.
ما حدث في سوريا هو صورة الموصل في المرآة، فعن طريق عنصر المباغتة استطاعت هيئة تحرير الشام أن تصبح القوة الوحيدة التي حررت سوريا من نظام الأسد. فهل يا ترى سيناريوهات الحدثين واحدة؟
اعتقل أبو محمد الجولاني من قبل المخابرات السورية وأودع في سجن صيدنايا بعد أن كلفه زعيم تنظيم القاعدة في العراق أبو مصعب الزرقاوي بتأسيس تنظيم القاعدة في سوريا وظل فيه حتى اندلاع الثورة السورية السلمية وبعدها خرج من سجنه إثر عفو عام من قبل بشار الأسد وفور خروجه أسس جبهة النصرة وحمل السلاح بحجة الدفاع عن المدنيين في المظاهرات، فحوّل الثورة السلمية إلى حرب شوارع مع قوات النظام واستغل النظام هذه الحركة، وأدخل الدبابات إلى شوارع المدن السورية تحت يافطة مواجهة الجماعات الإرهابية، وهذا كان السبب الرئيسي في فشل الثورة السورية، السلمية.
في 2012 تشكل الجيش الحر والعديد من الفصائل العسكرية، وضاق الخناق على النظام وكاد أن يسقط، أعلن أبو محمد الجولاني ولاءه بشكلٍ رسمي لتنظيم القاعدة، وبايع أيمن الظواهري، واستغل النظام هذا التصرف
بالاستنجاد بروسيا وإيران لمواجهة الإرهاب العالمي، وبالفعل تم دحر المعارضة وحصرها في شمال غرب سوريا، واضطر حتى حلفاؤهم من الأتراك والقطريين التخلي عنهم وإضفاء صفة الإرهاب عليهم وهناك الكثير من الأعمال التي قام بها ودخلت في خدمة النظام.
هنا يتبادر إلى الذهن السؤال:
عندما قرّر النظام تسليم المدن السورية فقط كان هيئة تحرير الشام لديها العلم؟ ألا يذكرنا هذا بمقولة آل الأسد "إما الأسد أو نحرق البلد"
في النهاية فقد بشار الأسد السيطرة على مقاليد الحكم بسبب العقوبات الاقتصادية القاسية وخسارة حلفائه الحرب في لبنان وفلسطين وروسيا اضطرت إلى نقل قواتها من سوريا للقتال في أوكرانيا فكان لا بد أن يسلمها إلى فصيل اسمه في قائمة الإرهاب ليزيد من معاناة الشعب السوري وليطيل أزمته سنين طوال.
تتظاهر تركيا بتزعمها لعملية سقوط النظام في سوريا وهي في الواقع لم يكن لها علم بهذه الحركة الخاطفة فلو تركيا لديها علم لكانت جهزت المعارضة القريبة منها للقيام بهذا التغيير، ولاستولت على حلب بواسطة الجيش الوطني ولكانت الآن الحكومة المؤقتة السورية الموالية لتركيا تحكم سوريا وفقط سارعت على ركوب الموجة وحفظ ماء الوجه بالهجوم على تل رفعت وطرد قوات سوريا الديمقراطية من قرى شمال حلب والهجوم على منبج، والطريف إن أبو محمد الجولاني بصفته القائد الأوحد أدار الظهر لجميع المعارضة بمنصاتها المتعددة، ومن ضمنها المعارضة الموالية لتركيا، وحلّ محلها حكومتها المؤقتة في إدلب، واستعان بوزراء النظام وإداراته، ولم يستعن برئيس الوزراء المنشق في بداية الثورة رياض حجاب، وهذا إن دل على شيء فإنه يدلُّ على الاستفراد بالسلطة وإعلان الدولة الإسلامية من الجامع الأموي، ودون الإشارة على طبيعة سوريا وهويتها ومستقبلها.
اكتفت هيئة تحرير الشام بتحرير مناطق السُّنّة وإسقاط النظام، وتوقفت العمليات القتالية، فلم يتحرّك باتجاه الجنوب لحماية الحدود الجنوبية لسوريا ولم يتجه إلى الساحل إلا بشكلٍ خجول، وأعطى ضمانات للروس بعدم الاقتراب من قواعدها واكتفى بتقديم وجهاء الطائفة العلوية ولاء الطاعة للنظام الجديد ولم يلاحق أسلحة النظام وفرقه العسكرية وصواريخ سكود S20 وS30 والصواريخ البالستية من روسيا وإيران والطيران المسير والطيران الحربي المتطور والأسلحة المتقدمة من الجيلين الثاني والثالث ولم يقترب من الصحراء معقل داعش فتوجد في كل منطقة من هذه المناطق نار تحت الرماد.
لا يُخفى على أحد إن الطائفة العلوية ضحية الأسد فجميعهم كانوا مسؤولين في إدارات الدولة ومراكزها العسكرية والأمنية وكلهم يتحملون بشكل أو
آخر جبروت النظامين خلال أربعة وخمسين عاماً ومحاسبة هؤلاء يؤدي إلى تمرد الطائفة العلوية وخاصة إن رموزها العسكريين موجودين أمثال ماهر الأسد ورؤساء الفرق وحاضنة قوية ومدرّبة على جميع أنواع الأسلحة.
ما يُفهم أن العملية هي تغيير النظام فقط وإن لم تستطع القيادة الجديدة حل المعضلات الأساسية في سوريا، وبقيت على طبيعتها ستبقى معزولة عن الخارج، وسوف تصبغ جميع الشعب بصبغة الإرهاب، وستزيد من معاناته آلاف المرات ناهيك عن فرض إسرائيل حزاماً أمنياً يصل إلى حدود محافظة دمشق ويصول، ويجول في سماء سوريا، ويضرب ما يراه خطراً على أمنها في المستقبل، وستصبح الأرض السورية مرتعاً للتدخلات الخارجية وهو ما يزيد في تعقيد الوضع في المنطقة.
كردياً: إذا لم يكن هناك حلول تواكب الوضع المستجد فإنه يتأزم نظراً للظروف الاقتصادية الخانقة، والكل سيطمح إلى الحصول على خيرات الجزيرة من نفط وغذاء مما يجلب الحروب إلى منطقتنا كما حدث في بداية الثورة السورية.
إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتلقى النصائح من معهد هيرتج فونديشن وهو المعهد الخاص بالحزب الجمهوري وأهم ما توصل إليه المعهد وقدّم كنصيحة لدونالد ترامب حيال تواجد القوات الأمريكية في سوريا وهي التقليل من دعم قوات قسد والاهتمام بالحليف التركي كونه مهماً في المعادلات الدولية والصراع مع الروس والصينيين ودول مجموعة بريكس، فأغلب الظن إن الإدارة الجديدة ستكون متعاطفاً مع الحكومة التركية إلا إذا كانت الأوضاع المستجدة في سوريا، وتنامي الدور الإسرائيلي سوف تغير المعادلات.
لذا على قيادة قسد والمجلس الوطني الكردي الجلوس على طاولة المفاوضات واستكمال الحوارات التي بدأها الراعي الأمريكي من النقطة التي توقفت عندها، وعلى قسد أن تسمح لبيشمركة روج بالدخول لتأخذ مكانها في الدفاع عن قضية شعبنا وحمايته وضمان حقوقه في سوريا المستقبل.
وإن لم تتفقوا اليوم، ولم تنجزوا الاتفاق الكردي سيكون هناك من يريد الإجهاز على الكورد، وتحت يافطات متعددة، وسوف تنتهي قضيتنا، ولم نحصل من الجمل أذنه بعد كل هذه التضحيات.