إعلام لا مهني.. ناقوسُ خطرٍ يدق المرحلة الانتقالية في سوريا
زينه عبدي
في ظل التطورات الأخيرة والتي أنتجت فوضى لا مد ولا حد لها، من الطبيعي جداً الدخول في معركة تُجبر جميع التيارات أن تكون على نسق متوازٍ، أو إن جاز الأمر بالقول منافسة حقيقية للأفكار ومحاولة التقريب بينها سياسياً وعسكرياً وثقافياً واجتماعياً للعبور إلى مرحلة الاستقرار عبر الحوار، وبمنأىً عن تكرار سيناريو نظام الحكم السابق ذاته الحامل للنزاعات والصراعات والتي بدورها شكَّلت أرضية معقدة وقوية للرعب وخطاب الكراهية، إلا أنه يبقى هناك سؤال يطرح نفسه وهو هل الإعلام كان مهنياً في نقله للحدث؟
الصحافة تلعب دوراً مركزياً ومحورياً في نقل المشهد عبر وسائله المرئية والمسموعة والمطبوعة، إضافة ًإلى منصات التواصل الاجتماعي ذات التأثير الهائل في الرأي العام والتي تسمى بالإعلام الجماهيري، إلا أنه وفي خضم نقل مجريات الأحداث فور سقوط المنظومة الأسدية في سوريا لم تقم الكثير من الوسائل الإعلامية على نقل الصورة الحقيقية ومواكبة الشارع بشكل مهني وسط خيارات متاحة لهم لإبراز وفرز ما هو حقيقي عن التضليل والتزييف.
الصحفيون/ات المتلونون/ات
وفي ظل الانزلاق نحو الفوضى وحال ما تم الإعلان عن سقوط الأسد الابن، حتى انهالت على أعيننا تحديثات لبروفايل بعض الصحفيين/ات وكذلك بعض المؤسسات الإعلامية التي كانت بموقف تأييد للحكومة السورية السابقة، ناهيك عن تلك المؤسسات التي كانت بموقف الحياد وتعلن استقلاليتها على الدوام، إلا أنه قد تبين موقفها بشكلٍ واضحٍ وصريح، وعلى حين غرةٍ شرعوا بدعم التحرير وتمجيد الشخص الذي قاد هذه العملية بل وباتوا يسبِّحون بحمده، الأمر الذي يشكل في حقيقة الأمر قلقاً على مستقبل الصحافة في سوريا عموماً ويضعها على حافة الانهيار أكثر من قبل.
حينما يمتزج النفاق بالصحافة حينها تفقد الأخيرة قيمتها الأخلاقية قبل المهنية، لأن الصحافة في هذه الحالة الخاصة داخل سوريا والتي يرثى لها ستتبع الأساليب والخطابات الفجة التي من شأنها تشويه الرسالة الحقيقية لها، وعلى ما يبدو باتت بين مد وجزر حسبما تقتضي المصلحة الشخصية قبل المؤسساتية.
وهنا لا بد أن أوضخ أمراً أن الصحافة المنافقة كانت مرتبطة بالحكومات فقط كما كلنا يعلم، ولكن الأمور باتت تأخذ منحى آخر لدى العديد من المؤسسات الإعلامية التي تدّعي الاستقلالية والحياد بنفس الوقت ولا سيما في ظل التطورات الحالية في سوريا، حيث الانطباع السلبي الذي أوردوه على الساحة الصحفية والإعلامية بات مرعباً حقيقةً عبر التطبيل المفاجئ الذي يعكس الانسلاخ عن المبادئ والقيم والمعايير التي تدعو إليها الصحافة حسب المنهجية المتعارف عليها دولياً.
الصحافة.. ممارساتها تُفقِدها رسالتها
الخطر الذي ألتمسه من الرسالة الصحفية والخطاب الصحفي في أقصاه، ولم تعد تهمنا مضامين هذه الرسالة لأنها حُوِّرت بما فيها الكفاية نحو التحريض على العنف وخطاب الكراهية وتبرير كل ما يدعو إلى ارتكاب الجرائم، ومن هذا المنطلق واستناداً على الأخطاء الجسيمة التي ترتكبها الصحافة السورية الآن حان الوقت أن تقوم بواجبها عبر تناول وإيصال رسالتها بإطار مهني كما الصحافة العالمية التي تتبنى المعايير المهنية المتعارف عليها لاسيما أننا نمر بمرحلة حساسة وخطيرة وتتجه نحو مجهول لا نعرف عنه قيد أنملة.
وخيُر طرحٍ على ذلك، أنه فور فتح باب سجن صيدنايا هبَّ الإعلام لأداء دوره عبر تغطيته للأحداث الجارية وتوثيقها كما تفرض عليه مهنيته، ولكن هل كانت مهمته في التغطية تلك تتسم بالمعايير المهنية؟، بكل تأكيد لا(من وجهة نظري)، لأن العديد من الممارسات التي قامت بها الصحفيات والصحفيون أثارت حفيظة نسبة كبيرة من الجمهور، الأمر الذي خلق نفوراً من الإعلام وخاصة عند إجراء المقابلات الصحفية مع المعتقلين فور خروجهم بذات اللحظة، وهذا ما أعتبره خطأً فادحاً وصارخاً لا يُغتفر له، وإنما ومن باب الحرص المهني أن نمهل أولئك المعتقلين الوقت الكافي الذي يحتاجونه للاستشفاء النفسي والعقلي والجسدي وهذا ما سيجنِّب الطرفين مخاطر جمة.
إذاً، ماهي معاييرنا الأخلاقية والمهنية التي أقسمنا أن نلتزم بها كصحفيات وصحفيين ومؤسسات ونقابات واتحادات وروابط وشبكات، في مثل هذه الحالات والتي تؤجَّج فيها الصراعات والنزاعات والحروب الأهلية نحو مشهد ضبابي ناهيك عن الحالة الطبيعية، يتوجب علينا كإعلام وصحافة تقليدية دوناً عن شبكات التواصل الاجتماعي الدفع باتجاه المهنية الحقيقية لا السبق الصحفي الذي يبقينا بمنأى عن تلك المعايير، لذلك أرى أنه الأولى بنا أن نقوم بإعادة تأهيل شاملة للعمل الصحفي الذي لا يعنيه سوى الشهرة والسباق وكسب المبالغ المالية الضخمة لنقل الخبر بما يمليه علينا العمل المهني و المؤسساتي والأخلاقي وليست أهواؤنا وانحيازاتنا ومصالحنا الشخصية.
الإعلام الجماهيري
ورغم التهافت الكبير للإعلام الاجتماعي أو ما يسمى بإعلام التواصل الاجتماعي أو إعلام اللحظة الراهنة والذي كان له القدرة الخارقة في سلب الإعلام التقليدي دوره، إلا أنه ومن وجهة نظري فإنه لن يكون بديلاً عنه إطلاقاً والسبب الأساسي هو المصداقية، لذلك لا بد من توجيه الإعلام بغض النظر عن نوعه أو جنسه أو تصنيفه ليدلو بدلوه الصحيح وبسياق حقيقي لا تشوبه أية شائبة في سبيل تعزيز الأفكار الرامية إلى إحقاق الحق وكشف مكامن الخلل، لا أن يصول ويجوب كيفما شاء ومتى ما شاء وعلى الوجه الذي يشاء وهنا يكون قد قُيِّد في خانة خيانته لقيمه الأخلاقية قبل المهنية وبات أقرب إلى التضليل استناداً إلى البروباغندا، هذا الإعلام يمكنني القول فيه أنه خارج حسابات التطوير المهني التي من شأنها تفكيك كافة الإشكاليات التي تواجهها الصحافة والإعلام حالياً.
لا أنكر أن الإعلام الجماهيري قد لعب دوراً محوريا في نقل المشهد وبأسرع ما يمكن بل وحقق جماهيرية واسعة لا يمكننا أن نغض الطرف عنها، لكنه يبقى مصنفاً ضمن نطاق التسويق والصناعة البعيدة عن المصداقية نوعاً ما بسبب عمليات النسخ واللصق المباشرة دون التأكد من صحة المعلومات التي تُنقل، إضافةً إلى عدم الإشارة إلى المصادر الحقيقية للخبر الذي تم نشره.
وأؤكد أن الصحفيات والصحفيين خلال التطورات الأخيرة كان بمقدورهم تقديم أفضل صورة عن الصحافة والإعلام لا سيما وقد تبدد الخوف من السلطة الحاكمة التي كانت تكمم الأفواه، وبالتالي صناعة فارق هائل بين الصحافة قبل سقوط الأسد وبعده عبر الصوت والصورة وبمصداقية تامة عبر الإعلام الفضائي الشامل خاصةً، والذي يقطع الشك باليقين بكل تأكيد أثناء نقله للخبر الصحفي كونه الأكثر قرباً من الجماهير بسبب المصداقية التي يتمتع به عبر أدلة قاطعة يشاهدها الجمهور بشكل حي ومباشر.
ختاماً، ما هو مطلوب من الصحافة والإعلام سورياً في ظل السياقات والتطورات وعلى الجغرافيات السورية برمتها ذاك الإعلام الموسِر بإمكانيات قادرة على التواصل الإيجابي والفعال مع الصعوبات والتحديات بذات الإطار المهني المتعارف عليه، كما أنه بات من الضروري تشكيل هوية صحفية تواكب الثورة التكنولوجية الشاسعة وبصورة حضارية وأكثر حداثةً.