عن (اللامعقول) في تحليل المشهد السوري
عمر كوجري
حينما اندلعت شرارة الثورة فيما سميت دول الربيع العربي، ترقّب السوريون باهتمام وحذر وتخوف وصول هذه الشرارة إلى بلدهم، وبالفعل لم يطل انتظار السوريين، فكان الشرارة من سوق الحميدية في تظاهرة من بضعة أشخاص شجعان سرعان ما تعرضت للضرب والتنكيل من قبل استخبارات النظام السوري، وبعدها بأيام قليلة تصدرت درعا وأطفالها وحائط مدرستها مشهد الثورة التي انطلقت من وقتها، واستمرت بوتيرة متصاعدة حيناً، ومُتخامدة أحياناً كثيرة.
في قراءة مشهد الثورة السورية، لم تظفر تحليلات أبرع المحللين السياسيين والبارعين في علم السياسة، فقد ذهب كثيرون، وبسبب الأوضاع المأساوية التي كان يعيشها السوريون طوال حكم البعث لأكثر من خمسة عقود (ولايزال) ظنوا أن مجرد اندلاع لهيب الثورة سينتفض السوريون بشيبهم وشبابهم للانقضاض على نظام البعث الفاشي .
لكن أغلب التوقعات كان مصيرها الإخفاق في قراءة الواقع والمشهد السوري.
قبل أيام شنّت "هيئة تحرير الشام" جبهة النصرة القاعدية سابقاً، بقيادة أبو محمد الجولاني، وفصائل حليفة لها أكبر عملية عسكرية منذ سنوات ضد مناطق يسيطر عليها الجيش السوري في شمال وشمال غرب سوريا، في هجوم مباغت باسم " ردع العدوان" أتاح لها السيطرة على معظم حلب، ثاني كبرى مدن البلاد، وتوجهت إلى حماة وريفها، ويبدو أن هذا الهجوم ليس وليد ردود الفعل أو بل دبّر له في ليل بدليل القوة العسكرية الكبيرة والسلاح النوعي الذي امتلكته الفصائل المهاجمة والذي أوقع خسائر كبيرة في صفوف جيش النظام السوري الذي اندحر، وترك سلاحه الثقيل من دبابات ومدافع وذخيرة صالحة للاستعمال في استذكار غير جميل لغزو تنظيم داعش الإرهابي للموصل عام 2014 وكيف ترك الجيش العراقي بإمرة نوري المالكي الذي كان رئيساً للوزراء آنذاك.
لقد تذرع المهاجمون أن معركتهم إنما جاءت رداً على فشل اتفاقية خفض التصعيد بين النظام والمعارضة برعاية روسيا وتركيا وايران، حيث النظام لم يتوقف عن القصف وخاصة في إدلب وريفها مركز القوة والتواجد لدى هيئة تحرير الشام.
خلال ساعات قليلة كان الريف الحلبي وبعدها المدينة في غربها وشرقها بيد المهاجمين الذين هللوا ب " الله أكبر" وأبرزوا وجههم الديني "السني" بشكل واضح لا لبس فيه.
إن هذا الهجوم، وفي هذا الجو البارد، وبإمكانيات عسكرية كبيرة ما كان ليكتب له النجاح لولا الضوء الأخضر من جهات دولية فاعلة في المشهد السوري، وكذلك خمود الهيبة الإيرانية، وتلقيها ضربات موجعة إن في سوريا عبر تصفية كبار قادتها العسكريين الذين يساعدون النظام في حربه ضد السوريين، أو إنهاء قوة حزب الله الحليف الرئيسي لطهران في المنطقة، وحتى كسر شوكة حركة حماس في غزة، وقد تم استغلال مجمل هذه الظروف بشكل جيد ومدروس.
والمثير للاستغراب أن الدول الفاعلة في سوريا، أبدت مفاجأتها بالهجوم، فالولايات المتحدة الأمريكية أعلنت أنه لا علاقة لها بالتطورات والأحداث الأخيرة الحاصلة في سوريا، ووصفت الاتهامات الموجهة ضد أمريكا بالشائعات.!!
بينما وزارة الخارجية التركية، حمّلت النظام السوري مسؤولية التصعيد، دون تحديد موقف مباشر من عمليات فصائل المعارضة في مدينة حلب.
وهكذا لا تبدو اللوحة واضحة، وثمة من يبالغ في الحماس، ويرى أن دمشق في طريقها للسقوط، بينما رئيس النظام السوري" تعهد" بـ"استخدام القوة للقضاء على الإرهاب".
ووسائل إعلام النظام السوري تتهم تركيا بترتيب هذا الهجوم، بل تقول إن ميليشيات من قوميات بعيدة مشاركة في ضرب سوريا.