جو بايدن.. واللعب في الوقت بدل الضائع
دوران ملكي
صراع الحزبين الأمريكيين (الديمقراطي-الجمهوري) أزلي، حاله حال صراع فرق كرة القدم في كثير من الدول. لكل حزب جمهوره الخاص به إلى جانب بعض المتذبذبين الذين لا يميلون كل الميل وهم الذين يحددون رئيس الجمهورية بشكل فعلي، ويسمى ولايات هؤلاء بالولايات المتأرجحة، فأحياناً تكون جمهورية وأحياناً ديمقراطية وهم بحق الإنزيم الرابط للولايات المتحدة الأمريكية، فلولاهم لانقسمت إلى دولتين أو أكثر، ويعود جذور هؤلاء المتذبذبين إلى بقايا الشعوب المنقرضة والوافدين الجدد الذين يحددون مواقفهم حسب الحالة الراهنة، فالذين يحدّدون رئيس الهرم السياسي ليسوا اللاعبين الحقيقيين من الحزبين وإنما أناس هامشيون ربما لا يحسب لهم الحساب، ويعملون دور بيضة القبان في تغيير مسار الصراع .
إن الرئيس المنتخب والمثير للجدل غيّر الكثير من المفاهيم القديمة في الديمقراطية الأمريكية ونمط استلام وتسليم السلطة فما قام به دونالد ترامب من عدم تسليمه للسلطة لجو بايدن في دورته الأولى، وناب عنه نائبه لا بل حرّض أنصاره للهجوم على مبنى الكابيتول ولم يقم بانتقاد نفسه في هذه الدورة بل قالها صراحة في دعايته الانتخابية بأنه يأسف على تسليمه للسلطة في الدورة الماضية ووصل الشعب إلى يقينٍ مطلق إذا لم ينجح دونالد ترامب في هذه الدورة سيتعرض الشارع الأمريكي إلى أعمال عنف، وهذا ما أكده ارتفاع سعر أونصة الذهب بشكلٍ جنوني قبيل الانتخابات وبمجرد نجاحه هبط السعر لأن المستثمرين يعرفون بأن العملة الورقية سوف تتضرر مما دفعهم باللجوء إلى المعدن النفيث وهذا ما يؤكد تنامي الروح الدكتاتورية وخاصة إن الرئيس المنتخب صرح أنه سوف يترشح لدورة انتخابية ثالثة وهو يعلم بأنه مخالف للدستور بالمقابل يتمسك الحزب الديمقراطي بتقاليده الديمقراطية، ويصر على حق المرأة في أن تصبح رئيسة إسوة بالدول الأوربية العريقة، وبالفعل رشح الحزب النساء لدورتين انتخابيتين أولهما هيلاري كلنتون والثانية كامالا هاريس، ولحسن حظ دونالد ترامب كان خصومه من النساء وهذا يدل على إن المجتمع الأمريكي لا يملك تقاليد عريقة في الديمقراطية وإن ديمقراطيتهم مثقوبة بالفعل كما نعتها سابقاً الرئيس بيل كلنتون.
يحاول كل رئيس سحب البساط من تحت أقدام الرئيس المنتخب في فترة نهاية حكمه بعد صدور نتائج الانتخابات حتى تبدأ المراسيم الرئاسية بالصدور لاستكمال قراراته وإحراج الخصم في حدود صلاحياته.
في الحرب الروسية على أوكرانيا سعى الديمقراطيون إلى إطالة أمد الحرب إلى جانب العقوبات الاقتصادية مع الدول الأوربية لاستنزاف روسيا اقتصادياً وبالتالي التأثير على الرأي العام في روسيا وتحريضهم على الرئيس فلاديمير بوتين ومن ثم إحراجه دولياً كونه فشل كدولة عظمى.
بعد الانتصارات الأخيرة التي حققتها روسيا وازدياد معنويات الجنود الروس بنجاح دونالد ترامب المقرّب من روسيا، سارع الرئيس جو بايدن مع الدول الأوربية للسماح لأوكرانيا بضرب العمق الروسي بصواريخ بعيدة المدى الممنوحة لها واستكمال إرسال صفقات الأسلحة، وبالفعل ضربت أوكرانيا العمق الروسي، وتهدد الجيوش الكورية الشمالية في مقاطعة كورسك، ولكي توقف الزحف الروسي على الأراضي الأوكرانية، ولتوجد شروطاً أفضل للمفاوضات المرتقبة ويسعى الرئيس الأمريكي إلى تعقيد المشهد أكثر حتى لا يستطيع دونالد ترامب من إجبار أوكرانيا على الاستسلام والقبول بالشروط الروسية وزيادة الهوة بين أمريكا وحلفائها الأوربيين مما يؤدي إلى نبذه من قبل المجتمع الأمريكي
الملف التايواني سيكون محرجاً للرئيس دونالد ترامب لأن ما أسسه جو بايدن من علاقات استراتيجية مع تايوان وتهديده للصين بالوقوف إلى جانب تايوان فيما إذا تعرض الأخيرة إلى هجوم صيني، وعزّز من قدرات تايوان العسكرية وكذلك عزز الحلف الأسيوي الأمريكي في الوقت الذي ركز فيه الرئيس دونالد ترامب فقط على مواجهة الصين تجارياً، وبقيت الملفات الأخرى غامضة، ووصل به الحد إلى لقاء الرئيس الكوري الشمالي وكأن الأمور السياسية ليست من اختصاصه مقارنة بالأمور التجارية والمالية مما عرضه للانتقاد الشديد في المجتمع الأمريكي، وسيبقى الوضع في آسيا كحقل ألغام يصعب السير بالنسبة لدونالد ترامب فيها وحتى في الوضع الأفغاني والذي كان دونالد ترمب ينتقد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، اليوم يتم إثبات حدة ذكاء جو بايدن بوضع النظام الإسلامي المتشدد على حدود الصين، وعلى حدود دول الحديقة الخلفية لروسيا وحدود شعب الإيغور الذي يطالب بالاستقلال عن الصين، وانتقل داعش إلى أفغانستان، وتوجّه إلى الأراضي الروسية وقام بالعديد من العمليات الإرهابية.
في الشرق الأوسط يحاول جو بايدن اللعب في الوقت بدل الضائع وسحب البساط من تحت أقدام دونالد ترامب بإرسال مبعوثه أموس هوكستين إلى لبنان وحل النزاع الإسرائيلي مع حزب الله اللبناني والوصول إلى اتفاق لوقف الحرب ووجد اقتراحات المبعوث الأمريكي آذاناً صاغية عند حزب الله وقبول الاتفاقية الدولية 1701 والرجوع إلى شمال نهر الليطاني وحل الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل محل مليشيات حزب الله وأصبح حزب الله على يقين بأنه سيخسر كثيراً و في الأخر سوف يضطر للقبول بالشروط الأمريكية وحتماً لا يريدون أن تكون في عهد دونالد ترامب المعادي لإيران وإنما في فترة جو بايدن، ولن يدع دونالد ترامب يستمتع بنشوة الانتصار، ويلوّح بعصاه السحرية بأنه سيوقف جميع الحروب في العالم، وكذلك الديمقراطيون لا يسمحون لإسرائيل بالقضاء نهائياً على حزب الله في لبنان وإنما فقط تقليم أظافره وإنهاء مهمة المقاومة الذي يدعيها حزب الله.
في الشأن العراقي تضغط رئاسة جو بايدن بشدة على حكومة السوداني لضبط الشارع العراقي ونزع سلاح المليشيات، وبالفعل زاد نشاط الحكومة والجيش العراقي ضد المليشيات بعد الشكوى التي قدمها إسرائيل ضد العراق.
بشأن الحرب في قطاع غزة بادرت رئاسة جو بايدن بالضغط على قيادات حركة حماس في الخارج وإجبارها بالقبول بالحلول الأمريكية وتحرير الرهائن وحذرت الولايات المتحدة الأمريكية جميع الدول المتعاونة مع حركة حماس من استقبال قيادات الحركة على أراضيها، وبالفعل طردت قطر قياداتها، وأكدت تركيا بأن لا وجود لقيادات حماس على أراضيها، والآن دخلت الوساطة التركية على الخط بدعوة أمريكية، وستسعى رئاسة بايدن إغلاق ملف حرب غزة قبل استلام دونالد ترامب للرئاسة في 20 يناير القادم بعدما حققت إسرائيل أهدافها في لبنان وقطاع غزة، وستتحول وعود دونالد ترامب إلى هباءٍ منثورٍ، وسيفقد نجمه بريقه المنشود، ويبقى مكشوفاً للإعلام العالمي لمقارنة ما تم إنجازه في فترة الديمقراطيين، وماسينجزه دونالد ترامب.