النظام بين التوريث والاستقواء
علي جزيري
الأنموذج التاتوليتاري القائم في سوريا اليوم، تقوم آلياته على "التوريث" أو "أسْرَنَة السلطة" وإقصاء الآخر المختلف، متخذاً من الأقارب بطانة له، ومستمداً من البُنى المَلَكية والعشائرية الكثير من الآليات، ليشيد في النهاية نظاماً طائفياً بامتياز. وما زاد الطين بلة، سريان هذه الآليات في أجهزة الدولة كالنار في الهشيم، مما أدّى إلى ظهور ما تُسمى بجوقة "القطط السمان"، التي دأبت على التصفيق للمتربعين في قمة الهرم السياسي والتسبيح بحمده، وصبّ جام غضبها على الشعب المغلوب على أمره، لتنذره بالويل والثبور من عظائم الأمور؛ ومردُّ ذلك أنها - أي القطط - كانت ومازالت تقتات على فتات موائد الطاغية، الذي وجد في هؤلاء السفلة معيناً له على ترهيب الرعية أو تحييدها وإلهائها بسفاسف الكلام.
بيد أن عورة النظام بانت جلية للعيان عقب الزلزال الذي شهدته سوريا عام 2011 على نحو فاضح، لتظهرَ تبعيةُ الهُبَل الأكبر في قمة الهرم السياسي للولي الفقيه، وممارسته التهريج الأيديولوجي وهو يتلو على الناس صباح مساء مزاميره التي أكل عليها الدهر وشرب، مبرراً مهادنته لإسرائيل طوال نصف قرن، ومن ثم الاستقواء بـ "حزب الله"، ذراع إيران في المنطقة برمتها. وحين أضحى سقوطه قاب قوسين أو أدنى، عقب سيطرة المعارضة على 75% من مساحة سوريا البالغة 185 ألف كيلو متر مربع، وبعد عجز حزب الله عن مواجهة الشعب المنتفض، راح بشار الأسد يستنجد عام 2015 بحليفه بوتين ربيب القياصرة، الذي أنقذه في اللحظة الأخيرة بإيحاء من إسرائيل، جرّاء تخوُّف الأخيرة من اعتلاء "الإسلام المتشدد" سدة الحكم.
وراح النظام يستشرس عبر أجهزته الأمنية و"شبيحته" في الانتقام من مجموع الشعب، وارتكاب المجازر وسفك الدماء وقتل المحتجين وزج مئات الآلاف من السوريين في الزنازين وتهجير الملايين، ثم انخرط النظام في حلف "المقاومة" الذي تتزعمه إيران، لتكشف مجريات الأحداث النقاب عن غايات طهران في إقامة "الهلال الشيعي" انطلاقاً من ايديوجيتها في "تصدير الثورة"، بيد أن إقليم كوردستان ظل عقبة كأداء أمام مشروعها السالف الذكر.
ولا يُخفى أن حزب الله، الذي كان عبارة عن نسخة طبق الأصل من الحرس الثوري الإيراني، لعب دور حصان طروادة لتعزيز نفوذ إيران في شرق المتوسط، بعد أن قامت طهران بإعداده عقائدياً وتمويله وتدريب كوادره وتسليحه بترسانة من الأسلحة، بما فيها الطائرات المسيرة والصواريخ. أجل، بدأ حزب الله يسرح ويمرح في سوريا لدعم نظام بشار الأسد المتهاوي كما أسلفنا، ومارس في سوريا برمتها منتهى التطرف ضد "السنة"، وتولى إيصال الأسلحة الإيرانية عبر العراق وسوريا إلى لبنان، وتسنّى له مصادرة القرار السياسي فيه والهيمنة عليه. بيد أن دوره المذكور بدأ بالتقهقر مؤخراً، جرّاء الضربات الإسرائيلية في الآونة الأخيرة التي أقضت مضاجعه، ومن المؤمّل أن ينحسر مستقبلاً النفوذ الاستراتيجي الإيراني أيضاً، وقد بدأت بوادر هذا الانحسار تطفو على السطح، بعد أن نأى النظام في دمشق بنفسه عن الانخراط في الطبخة التي قامت طهران بإعدادها في الآونة الأخيرة، وبات حزب الله بعد الضربات القاصمة التي تلقاها من الصعوبة بمكان أن تقوم له قائمة بعد الآن عسكرياً على أقل تقدير.