مأساة شاعر .. قصة أغنية Silavên Te Gihane Min
عبدالحميد جمو
تحكي هذه الأغنية قصة شاب وفتاة فرّقت بينهما الحدود المصطنعة، وضحّيا بحياتهما في سبيل قرارات سياسية قسّمت أوطاناً وفرّقت أخوين، حيث أصبح لكل منهما جنسية مختلفة. الأخ الأول بقي في سوريا، محتفظاً بجنسيتها، بينما الآخر عاش في العراق وأصبح مواطناً عراقياً بعد أن ضُمت مدينة الموصل إلى العراق وفقاً للقرارات الاستعمارية التي سلخت دير الزور من العراق وضمّتها إلى سوريا.
رغم هذا الاغتراب القسري، ظلت رابطة الأخوة تجمعهما؛ إذ كانا يتواصلان عبر الرسائل الورقية، ولاحقاً، في السبعينيات، من خلال الهاتف. ومع ذلك، نادراً ما استطاعا زيارة بعضهما، بسبب الظروف المادية الصعبة آنذاك. لكن ما زاد من معاناتهما كانت القطيعة السياسية بين العراق وسوريا، التي أدت إلى اتساع
فجوة الاغتراب بينهما، حيث حُرمت حتى الرسائل من العبور بينهما بسبب القيود الجائرة.
قبل القطيعة واثناء الزيارات العائلية، الشحيحة نشأت علاقة إعجاب بين أمين شيخو، صاحب الأغنية، وابنة عمه، وتطورت إلى قصة حب لم تكتمل بسبب القطيعة السياسية. لم يكن للعوائق المادية أو للرفض العائلي أثر في عرقلة هذا الحب، لكن الخلافات السياسية بين البلدين في أوائل الثمانينيات شكلت جداراً منع تواصل المواطنين، لتصبح قصة عشقهما ضحية لتلك التوترات السياسية.
أمام هذا اليأس، قرر العاشق الهجرة، علّه يجد أفقاً أوسع في بلاد الغربة، فانطلق إلى لبنان باحثاً عن سبيل لتحقيق حلمه. مكث هناك فترة طويلة، وحين أوشك على فقدان الأمل، عاد إلى سوريا حاملاً خيبة أمل وغصة في القلب. عاد إلى التدريس في إحدى قرى منطقة تل حميس، محاولاً إخفاء أوجاعه، لكنه كان يعيش في شوق دائم لمحبوبته.
وفي إحدى أمسيات الخميس، وبينما كان في زيارة لمنزل والديه، فوجئ بضيف عراقي يحمل معه رسالة من محبوبته. احتضن الرسالة كأنها كنز، وشمّ عبيرها مراراً، وقرأها مرات ومرات، لتُلهمه كلمات أغنيته
الحزينة، حيث قال:
تحياتك بلغتني على العين والرأس
والرسالة وصلتني على العين والرأس
قرأت الرسالة، رأيت صورتك من خلالها
أقسم بعينيكِ، سأموت دونك وحيداً
إلى أن عرفتك، مضى نصف عمري
روحي فداء لك، لم تغيبي عن بالي
أنا عاشقك أيتها الجميلة،
يا أغلى حمامة واعزها بين الاقارب
على شجرة حبنا، سأحفر اسمينا.
(الاغنية أداها الفنان الراحل صلاح اوسي على نمط لحن عراقي، وصار ت كلماتها تتردد في المناسبات
وعلى السن الشباب إلى وقتنا هذا رغم ان الكثيرين لا يعرفون قصتها)
لم يجد الشاعر بداً من الهجرة، فغادر إلى باريس حيث قضى سنوات عديدة، ثم استقر في سويسرا، وظل هناك إلى أن وافته المنية ودفن في مدينة زيورخ. بقي الشاعر وفياً لحبيبته، لم يتزوج، ومات في الغربة كما وعدها، حاملاً ذكرى حبهما إلى الأبد.