كتابتي بغير لغتي الأم لا تفقدني هويتي

كتابتي بغير لغتي الأم لا تفقدني هويتي

زينه عبدي

أن أكتب بلغة غير لغتي الأم أو أتحدث بها إن اضطر الأمر، فهذا لا يعني أنني أتجرد من هويتي الكردية البتة، كتابتي بلغة أجنبية عن لغتي الأصيلة لن تجعلني أعيش الحياة كما أعيشها بكرديتي ولن تجعلني أشعر أو أحب أو أسعد أو أحزن إلا بعاطفتي ومشاعري الكردية، ما دفعنا نكتب باللغة العربية ونستخدمها هو عدم امتلاكنا ومنذ بداية تعليمنا وحتى تخُّرجنا من الجامعة سواها، إلا أننا كنا نتحدث بلغتنا الأم ضمن الأسرة ذات الأصول الكردية، وذلك بسبب الأوضاع والمناخات التاريخية القامعة والتي فُرضت علينا وأبعدتنا عن لغتنا الأم التي لم أكتب بها أو أقرأها إلا بعد تجاوزي سن الثانية عشر من عمري.
إن كنت ولا زلت أكتب باللغة العربية فهذا لا يعني بتاتاً أنني نسفت هويتي الكردية أو انسلخت من قيمي وأصلي وانتمائي الكردي، أن أكتب باللغة العربية والذي لم يكن خياراً مني، ولا أعتبرها انتقاصا من قيمتي الانسانية، بل ولدي ما يكفي من الرصيد بهذه اللغة لأعبِّر بها عن هويتي الكردية أكثر منها بلغتي الأم التي هُمِّشت على مدار عقود من الزمن، وصارت عرضةً للتجاهل والتفكك والتغييب لعوامل خارجة عن سيطرتنا متمثلة بظروف سياسية سيئة جداً أثرت على حالتنا الاجتماعية والنفسية واللغوية والثقافية، وأرى من وجهة نظري أن هذا بحد ذاته ما يعزز هويتي الكردية الحاضنة والمتقبلة لكافة لغات العالم.
القمع الممارس ضد الكرد لم يكن خافياً على أحد وإلى يومنا هذا، الأمر الذي أجبر النخبة من الأدباء واللغويين والطبقة المثقفة إلى الكتابة بلغات أخرى كالفارسية والعربية والتركية وغيرها الكثير، بغية توسيع دائرة علاقاتهم الخارجية وعدم التقوقع ضمن الدائرة الكردية فقط، ولإيصال رسائلهم بالنمط والشكل الكردي الذي يريدونه ولكن بلغة مختلفة، وهذا لم يمكِّن من عزيمتهم أو يقلِّصها بل على العكس تماماً، استثمروا تلك اللغات لإبراز هويتهم الكردية شعوراً وموقفاً وعملاً بمضامين القضية الكردية التي لم ولن يتوانوا عن خدمتها وتقديمها بأرقى صورة ممكنة.
ولمجرد عدم كتابتنا بالكردية فهذا لا يعني إطلاقاً فصلنا عن كرديتنا أو العكس، وإنما تبنينا تلك اللغة الغريبة عنا أداةً نعبِّر فيها عن قضايانا وفولكلورنا وتراثنا وقيمنا الكردية، وهذا ما يؤكد عمق هويتنا الانسانية والكردية التي لا تحصر الأشياء أو تحتكرها في لغتها الأم والتي يراهن عليها الكثير غالباً في التعبير عن أنفسهم بها كشرط لازم قولاً وفعلاً.
تجربة كتابتنا باللغة العربية( وأعتبرها تجربة رحبة) أغنت جعبتنا بما فيها، وأضافت لها تجارب ثرية ذات تعقيد مركب علمياً ودراسياً ومعرفياً، صقَّلت من مهاراتنا الحياتية والانسانية والأدبية بذات الوقت، ولكن بإطار منفرد وأخّاذ لتحقيق ما نصبو إليه بالمنهج الذي نبتغيه، علاوةً على ذلك فإن كتابتنا باللغة العربية أو الفارسية أو التركية أو الانكليزية أو الفرنسية أو أية لغة أخرى ليس مهماً بالقدر الذي يهمنا محتوى ومضمون ورسالة قضيتنا الكردية وكيفية تناولنا لتجاربنا الكردية حتى لو اختلفت لغة الكتابة.
كل ما اكتسبناه من علوم ومعارف بلغة غير لغتنا الأم لم يكن بالأمر سهل المرام، كوننا كنا نتحدث داخل العائلة بلغتنا الأصلية، الأمر الذي كلّفنا الكثير حيث في جوهرنا لغتنا وقضايانا الكردية من جهة ومن جهة ثانية هناك لغة أخرى باتت جزءاً منا نتخذها وسيلة نعبر بها عن كرديتنا بمنأىً عن التنكر والاتهام والازدواجية مع ذواتنا وعروقنا الكردية التي حافظنا ونحافظ عليها من الاندثار مهما كلَّفنا ويكلفنا الأمر.
أن نخترق الساحات في العالم عبر كتاباتنا بلغة غير لغتنا الأم لا تُعتَبر خيانةً، حيث تعبيرنا عن كياننا وولائنا وانتمائنا الكردي قلباً وعقلاً وروحاً يطرق الأبواب مهما تعدَّدت وهذا دليل جلي على قدرتنا اللغوية الشاسعة للدخول في فضاءات بلغة متباينة، على أمل الخروج من تلك التصنيفات العسيرة في عالم الثقافة والأدب واللغة والتي أعتبرها أمراً بمنتهى الغرابة وعلى غير هدىً وضياء، ولن أقول قاب قوسين أو أدنى بل بنحو حاجب أو شفة.
بينما كنت أكتب وأدرس بلغة غير لغتي الأم على مدار 16 عاماً كان ينتابني شعور بالأمية أحايين كثيرة، كان هناك صراع داخلي بين ما هو معزز ومرسخ في عقلي وقلبي الكردي وبين الجديد الذي أتعلمه بلغة أخرى، حيث الكتابة باللغة الأم تُشعرك بالحب مع كل شيء تكتبه أو تدونه، حب في منتهى فوضى الحياة ولكنه يجعلك تفهم ذاتك وقلقك وروحك وفكرك.
بعد أن تعلمت القراءة والكتابة بلغتي الكردية وللمرة الأولى شعرت بالإحياء والنجاح والوجود غير المثالي، مع لغتي شعور الارتياح الذي لا يوصف مهما حاوطتني العشوائية من الأطراف كلها، حيث الطفولة والنشأة على جملة"em kurmanc in" حفرت في عروقنا كرديتنا وبلغتنا الكردية التي حُرمنا منها لسنوات كتابةً وقراءةً، ورغم تفوقي باللغة العربية حتى على أصحاب اللغة عينها لدرجة الذي لم يكن يعرفني شخصياً كان بتصوره أنني عربية الأصل، لكنها ظلت في نفسي تلك الحسرة التي باتت تقطعني إرباً إرباً لأنها ليست ولن تكون بموازاة أصلي وانتمائي وكياني الذي خُلِقت عليه مهما لعبت دوري الخفي والتظاهر بأن الأمر مألوف أو دارج كما هو متعارف عليه في مجتمعنا.
انتمائي للغتي ومكاني الكردي يُجلبني إلى الوجود رغماً عن أنف الظروف، ويجعلني أعبر الحدود كيفما أشاء وبالطريقة التي أشاء، يلملم أشتاتي كما لو أنها في خضم الهدم ليجدد بناء نفسي بعيداً عن المنفى الذي كان يلاحقني مُذ أن كنت طفلةً، المنفى الذي كان مسوَّراً بسياج الإكراه والعنف في عنفوانه، قلَّما نتخطى حدوده التي كبَّلتنا وقيدتنا لعقود من أعمارنا لتبقينا ما تستطيع إليه سبيلا بعيدين عن التعبير عن أنفسنا.
بكلمات أخرى، هويتنا كانت وستظل كردية ما حيينا مهما تعددت اللغات التي بتنا نكتب بها حباً أو جهراً، يكفينا من الغربة ما تعايشناها لأعوام مديدة والشعور المرافق لها بالسفر من محطة لأخرى والانتظار الذي كان ينهش بأجسادنا، هل تعلمون أننا ما أن نتحدث بلغتنا الأم نبلغ أقصى درجات الزهو والتباهِ حتى أصبحنا نحلِّق عالياً ظناً منا أنَّ أقدامنا لن تلامس الأرض ثانيةً.. لغتنا الكردية هي منطقتنا الآمنة وهي إحدى الركائز الأساسية لهويتنا التي تجعلنا خلّاقين ومنفتحين وأحراراً.