تحديات الشرق الأوسط في عهد ترامب

تحديات الشرق الأوسط في عهد ترامب

تورين شامدين

توقعتُ في وقت سابق أن ترامب سيعود إلى البيت الأبيض في انتخابات 2024، كان التوجه السياسي في فترته القادمة واضحاً، السياسة الأمريكية المحضة، تخضع لمقتضيات المصالح الاستراتيجية العليا. كانت هذه رؤية جريئة ودقيقة.
في ظل رئاسة ترامب المقبلة، سيطغى الطابع البراغماتي والمصلحي على كافة العلاقات السياسية الأمريكية، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط. في هذه الفترة، سنشهد تحولاتٍ جذريةً في السياسة الأمريكية، ولن يكون هناك مجال للمراهنات العاطفية أو الأوهام التي يديرها الإعلام. ترامب السياسي البراغماتي في حسابات المصالح الأمريكية، لا شك أن ترامب لم يكن يوماً رجلاً يتبع القيم الإنسانية أو الأيديولوجيات المبالغ فيها في سياسته الخارجية. برغم انقسام الرأي العام حوله، يبقى الثابت أن ترامب يسعى إلى تحقيق التفوق الاستراتيجي للولايات المتحدة دون تقديم تنازلات عن مصالحها الاقتصادية والسياسية. في فترة حكمه القادمة، سيتضح جلياً أن موقف أمريكا من الشرق الأوسط لن يكون مرتبطاً بمزاعم نشر الديمقراطية أو تحقيق السلام، بل سيكون محكوماً بالواقع في الدفاع عن مصالحها القومية وحماية هيمنتها في منطقة الشرق الأوسط. هذه هي القاعدة التي سيبني عليها ترامب استراتيجياته، بما في ذلك ضمان التفوق في المجال العسكري والسيطرة على الموارد الاقتصادية، وضبط التوازنات السياسية التي تخدم مصالح واشنطن.
الواقع الذي سيصدم الجميع هو أن المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط هي العامل الحاسم في تحديد مسارات السياسات المقبلة. بعيداً عن الشعارات التي تروج للحقوق الديمقراطية أو الدفاع عن المدنيين، ستظل الحسابات الاستراتيجية هي القوة المحركة. المنطقة بأكملها ستكون ساحة لتحقيق الأهداف الأمريكية الكبرى، سواء أكان ذلك في سوريا، أو العراق، أو اليمن، أو حتى القضية الفلسطينية. دول المنطقة، من الخليج إلى المشرق، ستجد نفسها أمام معادلات سياسية جديدة، تتطلب منها التكيف مع السياسة الأمريكية التي لن تكون رحيمة بالتقلبات الإيديولوجية أو التاريخية. ترامب، بخلفيته المصلحية، سيعمل على ضمان تفوق الولايات المتحدة على حساب الجميع، وسيستثمر كل الفرص المتاحة لتعزيز الهيمنة الأمريكية.
ما يروّج له الإعلام غالباً ما يكون صورة مشوّهة أو حتى وهمية عن السياسة الخارجية الأمريكية. بينما يركّز الإعلام على السرديات المثالية حول العدالة الاجتماعية أو حقوق الإنسان، فإن صُنّاع القرار الأميركي يعلمون جيدا أن السياسة الخارجية هي لعبة مصالح معقدة. في الشرق الأوسط، لن يكون هناك مجال للأوهام حول التغيير الحقيقي في الأنظمة السياسية أو تحقيق السلام المستدام.
السياسة الأمريكية في المنطقة لا تعتمد على الانتصار في معركة قيمية، بل على تحقيق أهداف جيوسياسية واقتصادية أما الإعلام، فسيظل في موقف المتفرج، محاولاً تفسير الواقع السياسي الذي يفرضه ترامب، وهو واقع لا يلتزم بأوهام أو خطابات سطحية. الواقع الذي سيواجهه الشرق الأوسط في ظل حكم ترامب الجديد سيكون صادماً للكثيرين. من سيعتقد أن السياسة الأمريكية ستسعى إلى تهدئة الأوضاع أو تعزيز التعاون الإقليمي، سيكتشف قريباً أن ترامب لن يتوانى عن استخدام القوة الاقتصادية والعسكرية لتحقيق مصالح الولايات المتحدة، هذا التحوُّل سيكون بمثابة ضربة لكل التوقعات، حيث سيؤدي إلى إعادة تشكيل التوازنات السياسية في المنطقة، مع تركيز متزايد على الأهداف الأمريكية. قد يكون هذا التوجه في ظاهر الأمر غير مرغوب فيه للبعض، لكنه في جوهره يمثل السياسة الواقعية التي يتبناها ترامب.
عودة ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة لا تعني فقط عودة لشخصية مثيرة للجدل، بل تعني بداية حقبة جديدة من السياسة الواقعية التي لا تعرف التردد أو المساومة في هذه الحقبة، لن تكون العلاقات في الشرق الأوسط محكومة بالقيم الإنسانية أو بالأهداف الأيديولوجية، بل بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية التي ستفرض نفسها على الجميع، يتعين على قادة المنطقة أن يعوا تماماً أن مصالح واشنطن هي التي ستحدّد مجريات الأحداث، وأن أي تردد أو تماطل في التعامل مع هذه الحقيقة لن يؤدي إلا إلى المزيد من الفوضى والاضطراب في المنطقة.