دونالد ترامب والعصا السحرية
دوران ملكي
انتهت الانتخابات الأمريكية بفوز ساحق للمرشّح الجمهوري دونالد ترامب وحصول الحزب على الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب مما يسمح له باتخاذ القرارات بأريحية، ولكن السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية مؤسساتية تخضع لقيود صارمة من قبل مجلس الأمن القومي ووكالة التحقيقات الفيدرالية FBI وهيئة المخابرات المركزية CiA ومعاهد الدراسات الاستراتيجية، وهؤلاء هم بمثابة الدولة العميقة في الولايات المتحدة الأمريكية يحللون، ويخططون، وينظمون ويضعون عصارة فكرهم على طاولة الرئيس ليختار الأنسب ولينقل هذا التفكير على شكل سياسات إلى العالمين الداخلي والخارجي ومع ذلك يبقى دور الفرد في السياسة مهماً فالشخصية والكاريزما تختلف من شخص إلى آخر.
يبقى المرشح الرئاسي حراً في كلامه وتصريحاته أثناء الدعاية الانتخابية حتى يدخل القفص الرئاسي، ومن ثم يبدأ الفلترة لتصريحاته التي وعد الشعب والعالم بها وإمكانية تنفيذها من عدمها لأن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وشكل الدولة والدور الريادي العالمي تأتي في أولوية المهام المنوطة بالرئيس مهما كانت طبيعته ويجب على الجميع التنافس على الحفاظ على هيبة الولايات المتحدة الأمريكية عالمياً وحماية عملتها الرائدة وتعزيز اقتصادها.
في فترة من 2016 إلى 2020 عاش العالم تجربة مع الرئيس دونالد ترامب ومن خلال ماضيه وتصريحاته في دعايته الانتخابية بدى مساره بشكلٍ واضح إذ يتوجّه إلى تعزيز الاقتصاد بقوة كونه ينتمي إلى عالم المال ورجال الأعمال من خلال التقنين الممنهج للمال وعدم صرفه في المجالات غير الضرورية وإغلاق الحدود أمام الهجرة غير الشرعية والتقليل من استيراد البضائع عن طريق وضع القيود الجمركية على المنتجات المستوردة.
خارجياً وعد بحل جميع الأزمات في العالم بغمضة عين كوقف للحرب الروسية على أوكرانيا، ووقف الحرب في غزة ولبنان، وكأنّه يوحي للعالم بأن من أشعل هذه الحروب هو سلفه جو بايدن وهو يملك العصا السحرية لإيقافها متناسياً طبيعة العقد والأزمات السياسية في العالم فالولايات المتحدة وأوروبا لم تخلق الحرب الروسية على أوكرانيا وإنما بدئها بوتين ومنذ 2014 بضمه شبه جزيرة القرم إلى الأراضي الروسية وأعلن صراحة اعتراضه على التوزيع الجغرافي للجمهوريات
السوفيتية والصراع العربي الإسرائيلي قديم قدم التاريخ.
من الآن وحتى استلام ترامب للحكم في 20 يناير 2025 سوف يجهز مشاريع لوقف الحروب في العالم من وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية وربما تفلح أو تفشل وحتى لو فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الأطراف المتصارعة يبقى الصراع دائراً لأن هذه الحروب تغذيها أقطاب متعددة غير الولايات المتحدة الأمريكية وحتى في نفس أمريكا توجد عدة تيارات فاعلة في السياسة الأمريكية مثل اللوبي الإسرائيلي والتركي والإسلامي وهم عناصر فاعلة في السياسة والاقتصاد الأمريكي وإعلان الرئيس المنتخب بأنه سيوقف هذه الحروب وبكل أريحية ليست إلا فقاعة الغاية منها الاستهلاك الإعلامي إن لم نقل لا تنمّ عن دراية سياسية والتصريحات الجوفاء التي يطلقها، ويتراجع عنها بنفس الأريحية هي طبائع دخيلة في السياسة الأمريكية وكأن عهد الحياء السياسي قد ولى وبدء عصر الكذب والنفاق والدجل السياسي.
العالم أجمع في ترقب ولا أحد يستطيع التكهُّن فيما سوف يعمله الرئيس ترامب حول بؤر التوتر العالمية وعلى الأغلب سوف يتم نفخ هذه التصريحات من قبل الإعلام حتى يتحول إلى بالون ضخم ينفجر كقنبلة صوتية دون أثر فاعل باستثناء ما يتعلق بالاقتصاد وجمع المال وحماية الاقتصاد الأمريكي وزيادة القيود الجمركية على الواردات ووقف الهجرة غير الشرعية وحتى هذه سوف يعاني من تصرفاته الأصدقاء قبل الأعداء وبذلك سوف ينعزل يوماً بعد يوم عن العالم الخارجي بسبب تمسكه بمصالح أمريكا ونبذ مصالح الأخرين.
يقول الكثيرون ان ترامب ما قبل الانتخابات ليس ترامب ما بعد الانتخابات وحتى ليس نفس ترامب في الدورة الرئاسية السالفة فربما اكتسب خبرة سياسية واستفاد من أخطائه السابقة، ويقوم بتصحيحها، ويشكّل فريقاً مخضرماً من السياسيين والمستشارين في المجالات الخارجية والاقتصادية والتكنولوجية، ويرجع العالم إلى تقاليد الحزب الجمهوري العريقة التي واجهت الاتحاد السوفييتي والقضاء على الدكتاتوريات في الشرق الأوسط أمثال الرئيس ريغن وجورج بوش ودبليو بوش الذين غيروا العالم 180 درجة.
يعطي دونالد ترامب الأهمية لمواجهة الصين كندّ اقتصادي، وسوف يواجه أعضاء مجموعة البريكس بقوة ويحاسبهم الواحد تلو الآخر بسبب مواجهتهم للعملة الأمريكية الرائدة وسوف يساهم بقوة في تعزيز أواصر الصداقة والتعاون مع الدول الناطقة بالإنكليزية كإحياء لرابطة دول الكومنويلث على حساب العلاقة الأمريكية الأوربية مما يدفع بالدول الأوربية إلى تعزيز الإتحاد الأوربي وتشكيل جيش مشترك لحماية الأمن الأوربي وتعزيز الصناعة العسكرية الأوربية ودعم عملة اليورو لتكون رائدة على حساب العملات الأخرى وبذلك سوف ينقسم العالم إلى ثلاث كتل رئيسية هي (بريكس-اليورو-إنكلو دولار) وهذا ما يساهم في تشتيت المحور الغربي في مواجهة المحور الشرقي إلا إذا استطاعت الدولة العميقة في أمريكا من كبح جماحه.
في الشرق الأوسط سيبقى ترامب الداعم الأول لإسرائيل فهو الرئيس الأمريكي الأول الذي نقل سفارة أمريكا إلى القدس كعاصمة لإسرائيل، وبارك ضم إسرائيل للجولان إلى خارطة إسرائيل، وسيدعم إسرائيل في حربها ضد حزب الله وحركة حماس والفصائل الإيرانية في سوريا، ولن يتذكر ما قاله في حملته الانتخابية وسيواجه إيران بقوة، وتدافع عن إسرائيل ضد أي اعتداء إيراني عليها ويجهز من الآن مسودة للاتفاق النووي مع أيران ومسودة لفك الرهائن الإسرائيليين عند حركة حماس وبالشروط الأمريكية ومن لم يستجب سوف يعاني الويلات من حصار اقتصادي وعسكري.
لا يستطيع دونالد ترامب إخراج القوات الأمريكية من سوريا والعراق لأنه سوف يواجه أزرع إيران في المنطقة التي تهدد أمن إسرائيل ولا يترك الساحة فارغة أمام التمدد الإيراني التركي الصيني إلى البحر الأبيض المتوسط وكذلك لحماية المملكة السعودية والمملكة الأردنية ومنطقة الخليج من التمدد الإيراني وبذلك سوف يتم وضع إستراتيجيات ثابتة حيال المنطقة على النقيض من سلفه جو بايدن الذي افتقر إلى برنامج واضح للمنطقة.
مهما يكن فإن العالم سوف تتعامل مع شخص بكاريزما مختلفة عن المعهود ونتأمل خيراً أن يتم استكمال المشاريع التي كان قد طرحها في فترة نهاية رئاسته السابقة والتي أوفد مبعوثه الخاص جيمس جيفري إلى شرقي الفرات للإشراف المباشر على المفاوضات بين الإدارة الذاتية والمجلس الوطني الكوردي ومن ثم تشكيل إدارة من جميع مكونات المنطقة كشكلٍ من أشكال الفيدرالية الجغرافية.