المثقف الطبل
هنر بهزاد جنيدي
المثقّف الطبل في تعريفي الخاص هو المتقمُّص لصورة المثقف الشكلية والخارجية دون الجوهر والمضمون.
تجده منفوخاً كبالون هوائي، يمشي كالطاووس، مستقيم الظهر، مرفوع الأنف. يمتلك ذاكرة قوية محشوّة بالمعلومات، مكدّسة بالتواريخ والأسماء والأحداث.
هذه الفئة من مدّعي الثقافة تحرص على تأسيس مكتبات منزلية تزينها بعناوين كبيرة ومشهورة من كتب الفكر والدين الأدب.
تراهم متباهين بدقة مواعيدهم بصورة مَرَضيّة، يستهويهم افتعال المشاكل مع الآخرين بهذا الخصوص.
في روتينهم اليومي تجدهم يتحدّثون عن الكتب الموضوعة بجانب مخداتهم، والسماعات في آذانهم فلا بد من متابعة الأخبار وما وراء الأخبار.
يحفظون أسماء ماركات الساعات والعطورات والألبسة، يقتنون العشرات من ربطات العنق، وبألوان وأشكال مختلفة.
قد يتساءل الشخص منا: أين العيب في كل ماسبق ذكره؟! فما أرقاها من عادات وما أجملها من مظاهر!
العيب فيها أن أصحابها مكتفون فقط بهذه المظاهر في تمثيل الثقافة، فما الفائدة من كلّ تلك التفاصيل إن لم تكن انعكاساً أصيلاً وحقيقياً للداخل الفكري والروحي لأصحابها؟ ما فائدة تسريحات الشعر الأنيقة والمكلفة على دماغ فارغ وعقيم؟ ما فائدة السيوف المتينة الأصيلة في يد فارس جبان؟
ما فائدة كل تلك الكتب إن كان صاحبها يحملها في رأسه حملاً ووزناً لا فكراً وأخلاقاً؟
"إذا قرأ الغبي الكثير من الكتب، سيتحوّل إلى غبيّ مزعجٍ وخطير، لأنه سيصبح غبياً واثقاً من نفسه، وهنا تكمن الكارثة.
هنا تتحول كلُّ المظاهر والتفاصيل الشكلية إلى شبه خديعة ينخدع المجتمع بأصحابها للوهلة الأولى، لكنّهم كرجال الثلج، يذوبون سريعًا عند تعرّضهم لشمس التجارب الحياتية.
إن امتلاكنا لمنطق عقلي سليم نبني به الأحكام المتزنة، وامتلاكنا لطبيعة أخلاقية تتّسم بالحقّ والخير والجمال، أهم بكثير من دقّة المواعيد أو ثقافة الألوان والعطور، ومن اقتناء ربطات العنق.
المثقف ليس بالتخزين الكمّي للمعلومات، وإنما بكيفية تفعيلها أخلاقياً ومجتمعياً، الثقافةُ دورٌ ومسؤولية لا تبختُر، وتمظهُر خارجي.
في إحدى المقابلات التلفزيونية، سُئل الكاتب والإعلامي الكبير نجم عبد الكريم: من هو المثقف؟
فأجاب: «المثقف هو الذي يقلّص أكبرَ قدرٍ من السلبيات، ويوسّع دائرة الإيجابيات. قد يكون فلاحاً، قد يكون نجاراً، قد يكون عاملاً، قد يكون وزيراً، قد يكون أميراً.
المثقف ليس فقط من يتحدث باللغة العربية الفصحى، ويعرف السيمفونية التاسعة لبيتهوفن، ويحيط بلوحة 'الغرنيكا' لبابلو بيكاسو، ويعرف كم تبلغ ثروة عبد الرحمن بن عوف، وعلى دراية بأشعار البحتري، ويكرّر دائماً أبيات المتنبي، ويردد «الإلياذة» و«الأوديسة» لهوميروس…
هذا شخص ممتلئ بكم معرفي، لكنه ليس مثقفاً.
المثقف هو من يسهم بانتشال المجتمع من الجهل، من التخلف، من التعصب، من الطائفية… من… من… من… إن لم يفعل ذلك، فهو ليس مثقفاً»