تركيا وإيران.. استفاقة الغفلة

  تركيا وإيران.. استفاقة الغفلة

دوران ملكي

تعدُّ التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط من الحرب على حركة حماس وحزب الله اللبناني من قبل إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة الأمريكية، بمثابة ضربة العصر من حيث التقنيات المستخدمة واستخدام التطور العلمي الحديث في مجال الحروب، وبشكل خاص الحرب الإلكترونية، مما أدّى إلى شلل كامل في الإمكانيات والأسلحة التقليدية التي كانت تتباهى بها إيران وأذرعها في المنطقة، والصناعات العسكرية التي كانت تنتجها تركيا وإيران في مجال الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية، ناهيك عن ملاحقة الأفراد والقيادات الميدانية الفاعلة.
إن استهداف إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية لمراكز القيادة والسيطرة التي تتحكم بالأسلحة أدى إلى فقدان التوازن العسكري، حيث تم استهداف مراكز القيادة والخبراء والقادة الميدانيين والقادة السياسيين من المرتبة الأولى والثانية والثالثة في توقيت واحد، وجعلت من هذه الفصائل أجساماً منزوعة الرؤوس وهشة وجامدة لا تنفع في شيء.
هذه الأساليب العسكرية المتطورة والحديثة تركت العالم بأكمله في صدمة وخاصة الدول المتطوّرة في مجال الصناعات الحربية في الشرق الاوسط مثل تركيا وإيران، وتيقنوا إن إسرائيل بمساعدة أمريكا هي قوة عظمى في المنطقة، ويصعب مقارعتها، فقد استطاعت مائة من الطائرات الحربية من ضرب أهداف في عموم الخارطة الإيرانية دون أن يتمكن الدفاعات الجوية الإيرانية من التصدي وإسقاط أية طائرة منهم، والرسالة بلغت بوضوح تام ومفادها إذا أرادت إسرائيل أن تدمّر المشروع النووي الإيراني لاستطاعت، ولكنها استسلمت للرغبة الأمريكية، ولم تفعل، وبلغت الرسالة وأفهمت.
أدركت الدول الإقليمية إن إسرائيل تستطيع أن تحتل لبنان وسوريا وتحقق حلمها التاريخي "حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل"، ولا يستطيع أحدٌ ردعها، وهذه هي استفاقة الغفلة للقوميين الأتراك وغيرهم.
فهم يعرفون إن بلادهم مبنية من الزجاج، وإن أية صدمة تصدعها وغيرهم ممن ساعدتهم الاتفاقيات الدولية، وساهمت في رسم خرائطهم على حساب شعوب المنطقة الأصلية.
تركيا تحتضن في طياتها العديد من الشعوب الأصيلة التي بنت إمبراطوريتها على حسابهم، وكذلك الإمبراطورية الفارسية وهم قلة بالنسبة إلى الشعوب الأصلية ولذلك أية هزة تنهيهم وتؤدي إلى انهيار أنظمتهم المبنية على القمع.
تمدّد إسرائيل شمالاً وشرقاً يقربها من حدود تركيا وإيران المتسلحين بالديانة الإسلامية، واستغلالهما للدين، فهي بحد ذاتها زلزال، فإما أن يخضعوا للأمريكان والإسرائيليين ويتخلوا عن نظرياتهم في تصدير الثورة والدفاع عن المقدسات، وإما الرجوع إلى الذات وإصلاح الوضع الداخلي حتى يستطيعوا مواجهة موجة الصدمة.
اتضحت النوايا الإيرانية تجاه القضية الكُردية بعد نجاح الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان من أمٍ كُردية والتكلم باللغة الكُردية أمام وسائل الإعلام، وزيارته إلى إقليم كُردستان، والتكلم مع الرئيس العراقي باللغة الكُردية في اللقاء الرسمي، وكأن القضية الكُردية هي قضية لغة فقط وإن دماء الآلاف من الشهداء بدءاً من بيشوا قاضي محمد وحتى الشهيدة مهسا أميني سوف يتم تجاوزها إذا تم رفع الحظر عن اللغة الكُردية فهذه هي آفاق الشوفنيين.
استشعر الأتراك أيضاً هذا الخطر أن الشرق الأوسط الكبير قادم لا محالة، سارع دولت بخجلي زعيم الحركة القومية وشريك أردوغان في الحكم بمصافحة أعضاء البرلمان التركي من حزب الديمقراطية ومساواة الشعوب وهو الجناح السياسي لحزب العمال الكُردستاني، في الوقت الذي اشترط فيه على أردوغان وقف اتفاقيات السلام مع حزب العمال الكُردستاني كشرط للدخول في تحالف معه، ودائماً كان يطالب باعتقال هؤلاء البرلمانيين ونزع الحصانة عنهم وزجّهم في السجون، والآن يريد إخراج عبد الله أوجلان من السجن بشرط أن يتخلى عن السلاح، ويحل الحزب، وكأن القضية الكُردية في تركيا ستحل إذا أنهت السلطات التركية اعتقال عبد الله أوجلان.
إن الفئات الشوفينية لا تستطيع منح الحقوق إلا مكرهاً وإن تصريحاتهم ليست إلا التفافاً على القضية الكُردية، ومحاولة تقزيم القضية في بعض الحقوق الثقافية، وبذلك تمتصُّ موجةُ الصدمة التي تتبناها أغلب الدول الغربية وهي بناء الشرق الأوسط الجديد متناسين إن السهم قد خرج من القوس، ومع ذلك فقد تفاعل الشعب الكُردي بإيجابية، واستبشر خيراً لعلها تنهي صراعاً طويل الأجل بالطرق السلمية وبتدخل دولي.
بطبيعة الحال سوف تكون الآراء متباينة من ناحية ترك السلاح وحل حزب العمال الكُردستاني، فهناك من يؤيد الحوار ومن يرفضه وبطبيعته أصبح حزباً مخترقاً من الأنظمة المجاورة لتركيا، فللنظام السوري باعٌ وللإيراني باع، وللدولة العميقة في تركيا باع وأصبح حديثاً باعاً للولايات المتحدة الأمريكية، أي هم ليسوا على يقين ورأي محدد وتصريحات بخجلي لا تنم عن طيب خاطر، فإذا وافق عبد الله أوجلان على طلبه بشكل فردي سوف يعرض حزبه للانشقاق، فبالتأكيد لا توافق قيادة قنديل وتبين بشكلٍ عملي رفضهم للمقترح عن طريق عملية الهجوم على مركز الصناعات الحربية في أنقرة بعد تصريحات دولت بخجلي، ورافق ذلك ضرب مواقع عديدة في روجآفايي كوردستان عن طريق المدفعية الثقيلة وتدمير البنية التحتية ومنشآت الطاقة.
في المحصلة تشعرُ الدولُ الغاصبةُ لكُردستان بالخطر من التفوق العسكري الإسرائيلي الهائل والدعم اللامتناهي من قبل الإدارة الأمريكية واقترابها من حدود كُردستان الجغرافية، وبالتأكيد حسب زعمهم سوف يتم دعم القضية الكُردية سياسياً وعسكرياً، وسوف يتم ربطهم بالعالم الخارجي عن طريق إسرائيل، وبذلك سيحدث ما لا يحمد عقباه.