الوجود الإنساني بين الحرية والاستعراض
تورين شامدين
في فضاء الوجود الإنساني، تتجلى أمامنا ثنائية أساسية تحكم حياتنا أن نعيش بكرامة داخلية وحريّة غير مقيدة، أو أن نستسلم لمسرحية الحياة الاجتماعية حيث تتجسد الذات في استعراض دائم أمام أعين الآخرين. هنا تأتي رمزية البومة والحيوان المدجن كإسقاط على حالتي الوجود المتناقضتين: الوجود الأصيل الذي يتجاوز معايير التقييم الخارجي، والوجود الزائف الذي يُختصر في البحث عن اعتراف الآخر.
تمثل البومة الكائن الذي تجاوز مرحلة التعلق بمظاهر الحياة الاجتماعية الضحلة. هي رمز للذات الأصيلة التي، كما قال الفيلسوف الألماني هايدغر، تعيش وفق الوجود من أجل الذات، لا تتأثر بنظرة الآخرين إليها، ولا تنخرط في الوجود من أجل الآخر الذي يقتضي توجيه حياتها لتنال رضا الآخرين.
البومة تتبنى موقفاً وجودياً يتمحور حول الحضور الذاتي، لا تتلهف للحصول على التصفيق أو الاعتراف، بل تعيش في وحدة هادئة، ترى في العزلة حرية، وفي الصمت عمقاً.
الحرية عند البومة ليست مجرد غياب للقيود المادية، بل هي حرية داخلية تحرر من نظرات الآخرين وتوقعاتهم، تلك النظرات التي تجعل الإنسان سجيناً لإملاءات خارجية. تحلق البومة في عتمة الليل، ليست بحاجة إلى الضوء الساطع الذي يفضح كل خطوة، بل تجد في الظلام مجالاً رحباً للتأمل والوجود. إنها تختار العتمة لا هرباً، بل لأنها تدرك أن النور الذي ينير طريقها ينبع من داخلها، وليس من تصفيق الجموع.
في هذه الحالة، تتحول البومة إلى رمز للذات التي تعي حقيقتها. إنها تجسد ما أشار إليه الفيلسوف الفرنسي سارتر بـالوجود من أجل ذاته، حيث يتمكّن الكائن من تقرير مصيره بعيداً عن ضغط الآخرين.
البومة تتناغم مع الطبيعة، ترفض الترويض، لأن في الترويض استلاباً لجوهرها. إنها تمثل الوجود الصافي الذي لا يخضع لمنطق الاستعراض، بل يعيش في سلام مع ذاته ومع العالم من حوله.
في المقابل، يرمز الحيوان المدجن إلى الكائن الذي أضاع حقيقته في متاهة الاستعراض هو الكائن الذي يجعل من حياته عرضاً مستمراً، ينغمس في ساحة الآخرين، ويبحث عن هويته عبر أعينهم. هذا الكائن يعيش كما وصفه الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر في مفهومه عن الوجود من أجل الآخر، حيث تصبح الذات مشروطة بتقييم الآخرين واعترافهم. يتنازل عن حريته الداخلية في سبيل الحصول على القبول، وكأنه لا يكون إلا عندما يرى، وعندما ينال إعجاب الآخرين.
الحيوان المُدجّن لا يرى نفسه إلا من خلال مرآة العالم الخارجي، فهو كائن فقد الاتصال بجوهره الأصيل. حياته أشبه بمسرحية تعرض أمام جمهور، كل حركة فيها محسوبة، وكل كلمة موجهة لتحظى بردود الفعل المتوقعة. الحيوان المدجن يعيش على الآخر الذي يصفق له، الذي يضحك من أجله، ويسعده نيل رضاه. وكما قال الفيلسوف كيركغارد، هذا الكائن يعيش في اليأس الصامت، حيث يبحث عن الامتلاء الخارجي لينسى فراغه الداخلي.
الحيوان المدجن هو رمز للاستلاب الوجودي، حيث يفقد الإنسان حريته الذاتية ويصبح عبداً للآخرين. يعيش في قفص معنوي، تسجنه توقعات الآخرين وأحكامهم. تماماً كما وصف الفيلسوف الألماني نيتشه حالة الإنسان الأخير، الذي يعيش حياة بلا طموح حقيقي، بلا تحد لذاته، بل يبحث عن الراحة والرضا في حدود ما يمليه عليه الآخر يستسلم للحياة السطحية، حيث قيمة الفرد لا تتجاوز مديح الآخرين له.
الفارق الجوهري بين البومة والحيوان المدجن ليس مجرد اختلاف في السلوك، بل هو اختلاف في الوجود ذاته. البومة تجسد الوجود الأصيل الذي يرتكز على حرية الذات وإرادتها المستقلة، في حين يجسد الحيوان المدجن الوجود الزائف الذي يتبنى قناعاً من الآخرين. إنها ثنائية بين الكائن الذي يعيش لذاته والكائن الذي يعيش لإرضاء الآخرين، بين الكائن الذي يختار حريته الداخلية والكائن الذي يستسلم لعبودية.
الفيلسوف الألماني شوبنهاور كان يرى أن التحرر من هذا العالم الزائف يتطلب إرادة لإنكار الإرادة، أي التخلي عن الرغبة في السيطرة على الآخرين أو نيل رضاهم.
إن الإنسان الذي يختار طريق البومة هو الإنسان الذي يتخطى كل رغباته الاجتماعية، ليعيش في وئام مع ذاته ومع الكون. هذا الإنسان لا يسعى للظهور، بل يجد قيمته في حضوره الهادئ، في قدرته على أن يكون، ببساطة، دون الحاجة إلى إثبات ذاته لأي أحد.
في هذا الإطار، تطرح هذه الثنائية سؤالاً وجودياً عميقاً كيف يمكننا أن نعيش حياة حرة حقاً في عالم مشبع بالاستعراض؟ هل نستطيع، مثل البومة، أن نتحرر من ضغوط المجتمع وتوقعاته، وأن نجد السلام في عزلتنا واكتفائنا الذاتي؟ أم أننا سنظل مثل الحيوان المدجن، نلهث خلف الاعتراف الخارجي، ونغرق في دوامة التقييم المستمر من الآخرين؟
الجواب على هذا السؤال يحدد ليس فقط كيفية عيشنا لحياتنا، بل أيضاً معنى وجودنا ذاته.