عبد الحميد جمو: الموت حياً

عبد الحميد جمو: الموت حياً

عبد الحميد جمو
في بلادنا التي يحق لنا تسميتها بلاد العجائب، اسعار سياحية تجعلك تدعو السيد عزرائيل لأخذك في رحلة استجمام أبدية تجوب فيها أوابد الأمم من سلالتنا الحالية مروراً بهود ولوط وإدريس ونوح وصولا الى آدم أبو البشرية لتطلعهم على تجربتنا من الاكتفاء الذاتي وسياسة "دبر رأسك" ليندبوا حظهم على أنهم لم يعيشوا هذه المرحلة الخرندعية مع المتحولين من الاشباح البشرية، وكيف يبيعونك الأوهام والأحلام الوردية؟؟ بهواء معبأ بقوارير ثلجية يروج لها نفوس هلامية.
ويا لشدة دهشتهم حينما يعرفون ان راتب الموظف لا يتجاوز ستين ألفا أي ثلاثين دولار كحد اقصى ويعيش برفاهيه لا متناهية ويتكيف مع اسعار تُشعِر مَن حولك انك طائر من كثرة تصفيرهم، ويؤمنوا حينها انك محفوف بعناية إلهية.
فكم يكون أهل الكهف محبطين حينما يأتون بورقهم كلها، ولا يستطيعون دفع ثمن الأمبير الواحد من المولدات العاملة بطاقة وقدرة ربانية التي غالباً ما تتعطل بلمسات سحرية مع تسرب الكهرباء الى قاع الأرض لتستكشف معالم الجان الخفية.
أو قوم عزيز مصر ومن يأتوا ببضائعهم كلها ليحصلوا على ربطة خبز سياحي بمواصفات اسمية فقط وهو في الاصل مصنوع من طحين تحت الدرجة الثالثة مدعمة ببروتينات ومستحاثات وحصى رملية.
وماذا سيقول قوم موسى الذين طالبوه ان يدعوا ربه ليطعمهم مما تنبت الأرض من فومها وقيثائها وبصلها، ويا لصدمتهم حينما يكتشفوا ان كل دعواتهم لا تحظيهم بحبة بندورة او قطعة فاكهة او جُرزة عشب مخضرة نابتة في أراضٍ بعلية.
حاشية فرعون عجزت بكل المقاييس عن تحقيق التوازن بين العرض والطلب، خصوصاً بعد ما مكنت الحثالة، وأرذل ابناء القوم من رقاب البشر، فالأمانة الإنسانية المفقودة عندها توجب عليها إعلان فشلها في الإدارة والضبط حفاظا على ماء وجهها والواجب عليها ان تعمل وتتحرك جديا لكبح جماح أولئك الوحوش المفتقرة للآدمية، فحينما تصل ربطة الخبز الى ألف ليرة وأسعار الخضار المنتجة محليا خيالية والكيلو غرام من اللحمة وسطيا تتجاوز الخمسة عشرة ألفا، والأمبيرات تحلق في سماء ما بين الثلاثة إلى الخمسة آلاف ليرة والمحروقات من الغاز أو مازوت التدفئة والمواد الضرورية من الأغذية الاساسية يحتكرها كهنة المعبد.
وتوهب للبعض دون البعض على حسب النية، فخدم السلطان مغدق عليهم يحيون برفاهية، والمواطن في فاقة عاجزٌ واجمٌ ينتظر موته المحتّم ضيقا بالإزدواجية، فمن باب الأمانة الواجب يحتم على القائمين على إدارة الشؤون التنحي والاعتراف علنياً بالعجز، والكف عن بيع الأوهام وخلق الأكاذيب لإقناع المواطن من خلال المروجين المراوغين والآلة الاعلامية بنظرياته وتنظيراته الخداعة الضبابية.