نظرة ساحقة

 نظرة ساحقة

شمس عنتر

(من الصعب للغاية قول الحقيقة، ونادرًا ما يكون الشباب قادرين على ذلك... ليو تولستوي)
كان مطأطئ الرأس يرتب ربطات الجوارب المبعثرة، ويدندن أغنية ذات إيقاع سريع بحرارة تكفي لخبز أرغفة لكل جياع وطنه، لاحظ أطراف أظافره المسودة ويديه الخشنتين التي تبدوان كمغناطيس يجذب صوف الجوارب من على البسطة، حدق بيده اليمنى والفراغ الذي تركه الإصبع المتوسط الذي ابتلعته فرامة الحمّص منذ ثلاث سنوات، كان وقتها في الصف السابع، وذلك كان آخر عهد له بالمدرسة.
سوق حطين المتكئ على الجهة الشرقية من المحلق الواقع في غربي القامشلي، أصبح هذا السوق بمثابة بيت لعبدو، يكاد لا يغادره، خاصة أيام الآحاد.
الناس يتقاطرون إلى السوق، وبضاعة العيد استحوذت على مساحة كبيرة منه، يومان ويحل عيد الفطر، فجأة لامست يده، يد رقيقة بيضاء ناعمة ذات أصابع شمعية شفافة مزدانة بمحبس وخاتم تعكسان ضوء الشمس، كانت تقلب دزينات الجوارب برفق، أما يده فبدت كأنها خارجة للتو من قاع مدفأتهم المبعوجة، وارتجفت فيه الروح، فسحب يده كمن ضربته صاعقة وتعاظم ذلك الفراغ بين أصابعه، فحشر يده المعطوبة في جيب بنطاله الممزق وكأنَّ شرطيا قد أمسك به بالجرم المشهود، ورفع ناظريه إلى ذلك القبس المنير وقد تهدل على طرفيه شلال ذهبي، صرخ بداخله يالله! إنها معجزة! وشعر عبدو بدوار حتى كاد أن يسقط أرضاً، حين تلاقت نظراته مع نظرات الفتاة.
واختصرت تلك النظرة حياته كما اختصرت الفتاة لديه كل البشر.
شاحت الفتاة بنظرها عنه، وتابعت تقليب بضاعته، سمع عبدو صوت مرافقتها تقول: خذي دزينة من الجوارب الثخينة يقولون أن طقس المانيا بارد جداً واشتري أيضاً لخطيبك.
هنا سقط قلب عبدو تحت دواليب بسطته، اذاً هي مخطوبة!؟
دست الفتاة دزينتين من الجوارب في كيسها وفتحت حقيبتها وهي تسأل عبدو عن الثمن، لكن عبدو كان فقد السيطرة على نفسه وتعطل لديه السمع، كان مسمّراً كتمثال طيني بقامته النحيفة وثيابه المهترئة وبشرته المصفرة، فرفعت المرافقة وتيرة صوتها مكررة السؤال، وعبدو وسط صياح الباعة وهدير السيارات وصفارتها وصوت المولدات وثرثرة المشترين كان قد صدّ سمعه، إلا عن سماع دقات قلب تلك العروس، وتخيل نفسه عريسها ويداهما متشابكتان محمولان على غيمة ترتقي بهما الى السموات، سمعها بقلبه تغرد على ذلك الغصن الأخضر اليتيم على شجرة حياته اليابسة، وهيأ نفسه ليغفر للحياة كل ركلاتها له، وأيقن أنه يعرفها منذ قرن، وأنه قد سرد لها مسبقاً كل مجريات حياته ذات السبعة عشر جرحاً، كيف فقد والديه حين أجبرهم جنود أتراك على العودة، وكيف خدعهم المهرب، وكيف نجا هو مع أخته التي أصبح هو معيلها الوحيد.
مال عبدو برأسه نحوها وهمس: ماذا أفعل لكِ كي لا تسافري وتتزوجيني؟
لحظات وكان عبدو المسحوق هناك مضرّجاً بدمائه، يتلقى اللكمات والركلات والمسبات من كل الجهات وقد تدحرجت بسطته بعيدا عنه وتبعثرت كرامته مع بضاعته.