تحركات دولية متسارعة وتنهدات طرق أبواب تغيرات جغرافية جديدة

تحركات دولية متسارعة وتنهدات طرق أبواب تغيرات جغرافية جديدة

عزالدين ملا

يشاهد من خلال التحرّكات الحالية في سياسة الدول الإقليمية والعالمية، أن سوريا على أبواب تغيّرات مناطقية وجغرافية جديدة للقوى المسيطرة وأدواتها على الساحة السورية.
ففي الآونة الأخيرة، تحرُّكات تركيا وروسيا إلى جانب إيران في تفاهمات جديدة لمصلحة التقارب بين النظام السوري وتركيا، وظهرت جلياً، في تبادل الأدوار والمواقع في مناطق عدة في الشمال السوري.
كما أن التحرك الامريكي في سوريا يتركز بشكل أكبر على محاربة خلايا داعش إلى جانب تقويض حركة ميليشيات إيرانية في مناطق ديرالزور وشرق سوريا.
أمام كل ذلك، والسياسة الكوردية في حالة عدم التوازن والارتكاز على هدف وموقف ثابت، ويظهر ذلك في الحيرة التي تتمظهر على سياستها تجاه كيفية التعامل مع سياسات الدول الإقليمية والكبرى المسيطرة على المشهد السوري.
1- كيف تحلل كل ما يجري الآن على الساحة السورية، سياسياً وعسكرياً؟
2- كيف تقرؤون التقارب التركي والنظام السوري في المشهد السياسي؟ برأيكم هل سيحصل هكذا تقارب؟ وإن حصل ما الذي تتوقعه من تأثيرات على الحلول السورية؟ إيجاباَ أو سلباً؟
3- ما دور الولايات المتحدة الأمريكية في كل ما يحدث من تحركات سياسية وعسكرية؟ وكيف تتوقع رد أمريكا؟
4- حسب متابعتك للسياسة الكوردية، ما المطلوب من القوى السياسية الكوردية لتحقيق توازن في تعاملها مع سياسات الدول المقابلة لها؟

مسارات متشابكة ومعقدة.. مرتبطة باتفاق الكبار على الساحة الدولية
تحدث عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، نافع عبدالله لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «بعد 13 عاماً من عمر الأزمة السورية، فإن الواقع المأساوي هو أن التطورات كلها تسير في الاتجاه الخاطئ في المجالات الأمنية والإنسانية والاقتصادية والسياسية وحقوق الإنسان، لا يوجد طريق عسكري لإيجاد حلول للتحديات التي لا تعد ولا تحصى، ولن يتمكن من تحقيق هذه الغاية سوى الحل السياسي الشامل وفق القرار الدولي ٢٢٥٤ بعد 13 عاما، لا يزال الصراع مستمراً والعنف الشديد على العديد من الجبهات، وامتداده على المستوى الإقليمي. إن السوريين ينقسمون عبر مناطق السيطرة حيث تنشط ستة جيوش أجنبية علاوة على عدد كبير من الجهات المسلحة بالإضافة إلى الجماعات الإرهابية المدرجة في قائمة الإرهاب في مجلس الأمن، والجميع أي دول استانا ضد الإرهاب ولكن كل واحد منهم يعرف الإرهاب حسب مصلحته، لذلك فالوضع في سوريا كارثي ومسارات الحل السياسي مسدودة رغم مناشدات المبعوث الدولي غير بيدرسون ونجح في الآونة الأخيرة بعقد اجتماع لهيئة التفاوض ولكن دون نتائج تذكر، أما عسكرياً سورية مقسمة ولغة السلاح تفرض شروطها وقوانينها على المجتمع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا».
يعتقد عبدالله: «ان اللقاءات التركية السورية الأمنية ضمن صيغة استانا والتي اقترحها الرئيس الروسي لن تفضي إلى مستوى لقاء القمة بين الدولتين، كونها تعارض روح قرار مجلس الأمن ٢٢٥٤، وتعارض مصالح بعض الدول المؤثرة في الأراضي السورية وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، كون أمريكا ضد التطبيع مع النظام ولديها مصالح استراتيجية في الشرق الأوسط، وبقائها في كل من سوريا والعراق بحجة محاربة الإرهاب (داعش) ووقف المد الإيراني في المنطقة تحقق أهدافها الجيوسياسي في الشرق الأوسط. وإيران أيضا لها مصلحة للبقاء في سوريا، حيث تدعم النظام وأيضاً كل من حزب الله وحماس، وهناك وجهات نظر مختلفة بين اللاعبين الأساسيين حول الحرب الروسية على أوكرانيا والحرب الدائر بين الإسرائيليين وحماس.
يتابع عبدالله: «ان الولايات المتحدة الأمريكية سياسياً ضد التطبيع العربي مع النظام وأيضا لن تدعم الجهود الروسية وفق صيغة استانا، بل تنصب الجهود الأمريكية حول تطبيق القرارات الدولية وخاصة القرار ٢٢٥٤، وروسيا من جانبها تعارض اجتماع اللجنة الدستورية في جنيف بسبب موقف جنيف من الحرب الروسية على أوكرانيا، والتهديدات العسكرية مستمرة على كل المناطق وبالأخص المناطق الكوردية من الجانب التركي».
بالحديث عن الواقع السياسي الكوردي في سوريا، يشير عبدالله: «ان القوى السياسية الكوردية مشتتة وغير منسجمة والرؤية السياسية مختلفة ولا يوجد في الأفق بوادر اتفاق كما حصل أثناء المباحثات الكوردية الكوردية على رؤية موحدة لحل القضية الكوردية في سوريا، والدبلوماسية الكوردية لم تستطع إقناع الدول المؤثرة والمتواجدة على الأرض السورية بحل سياسي لسوريا المستقبل يكون الكورد شركاء حقيقيين وضمان ذلك دستوريا. حتى نخلق توازناً مع سياسات الدول المقابلة يجب أن نقتدي بتجربة إقليم كوردستان داخليا أي اتفاق كوردي كوردي وإقامة شراكة حقيقية في الإدارة لكل المكونات(حوكمة.

مسار التطبيع والإرادة الدولية
تحدث عضو المكتب السياسي للحزب اليسار الديمقراطي الكردي في سوريا احمد عجي لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «منذ أن شهدت سوريا حركة الاحتجاجات السلمية التي بدأت في ربيع ٢٠١١، وما لبثت أن تطورت الى انتفاضة شعبية ضد النظام السوري، وتوسعت تدريجيا حتى شملت عموم البلاد، ثم سرعان ما تحولت إلى صراع مسلح ساهمت فيه اطراف دولية وتنظيمات ارهابية، فضلاً عن دول اقليمية معنية بالشأن السوري.
وعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عشرة عاما على انطلاقة الثورة السورية، ومع غياب أفق الحل السياسي فقد دخلت سوريا الى نفق مظلم وسط تضارب اجندات الدول المؤثر بالملف السوري يضاف الى ذلك تعنت النظام وتمسكه بالسلطة.
يتابع عجي: «على الرغم من وجود عوائق متعددة تمنع استئناف العلاقات الدبلوماسية كما كانت في السابق، إلا ان هناك مؤشرات واضحة كشفت عن استدارة متبادلة بين سوريا وتركيا وبترميم روسي لن يتعدى المستوى الأمني للجانبيين في الوقت الحاضر. وعلى الطرف الآخر من المشهد الحالي هناك عائق إيراني يرى في التطبيع التركي مع سوريا خطرا على مصالحها في سوريا ومن غير المستبعد ان تحرك أجنداتها داخل سوريا بكل الوسائل المتاحة لكبح عجلات قطار التطبيع، والحد من مساره الذي يشكل تهديدا مباشرا على مصالحه في سوريا. في كل الأحوال يبقى مسار التطبيع بين تركيا وسوريا مرهوناً بالإرادة الدولية ان صح التعبير، ووفق منظور السياسات الاستراتيجية لتلك القوى المؤثرة فعليا في الملف السوري المتشابك».
يضيف عجي: «أمّا بالنسبة إلى الدور الأمريكي في كل ما يحدث من تحركات سياسية وعسكرية في المشهد السوري الحالي وخاصة بعد إطلاق مسار التطبيع مع سوريا، لا بد من الاشارة الى إقرار الكونغرس مشروع مناهضة التطبيع مع أية حكومة سورية يرأسها بشار الأسد. كما تدرك الولايات المتحدة الأمريكية جيدا بأن مسار التطبيع سيصطدم بعراقيل عديدة، خاصة وان الخلافات الجوهرية في الملفات الرئيسية بين تركيا وسوريا يتعدى التوافق السياسي، وتحديدا ملف شمال غرب سوريا وجدولة انسحاب القوات التركية من هناك، الذي يضعه النظام كشرط اساسي مسبق للمضي في مسار التطبيع.
يشير عجي: «ان المتغيرات التي تشهدها الساحتان الدولية والسورية ومن ضمنها منطقتنا بشقيها السياسي والعسكري تستدعي من القوى السياسية الكوردية في هذه المرحلة الحساسة ان تتحرك وفق معطيات سياسية من شأنها ان تخلق توازناً بحيث لا تتعارض مع مجمل الأهداف والثوابت النضالية للشعب السوري بكافة مكوناته.
ان احد أركان التوازن المطلوب من القوى السياسية الكوردية تحقيقه هو السعي الجاد على تمتين الصف الداخلي للبيت الكردي من جهة، ومن جهة أخرى وحدة الموقف الكردي إزاء القضايا الجوهرية التي تأسست بالفعل من أجلها، الى جانب تعزيز موقعها في صفوف المعارضة السورية كفصيل وطني وأصيل من مجموع فصائل المعارضة السورية».

منطقة الشرق الأوسط مُقبلة على تطورات مهمة
تحدث رئيس فيدراسيون منظمات المجتمع المدني، حسن قاسم لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «لا توجد مؤشرات ملموسة، إلى أن هذا العام سيمر في سوريا مثل الأعوام السابقة، وهناك تبدل العوامل الداخلية والخارجية التي أدت إلى الهدوء النسبي سابقا لتحل محلها ديناميكيات جديدة. أن تكلفة الحرب في سوريا قد تجاوزت 1.2 تريليون دولار، وسيتطلب الأمر من دولة متواضعة الموارد مثل سوريا أن تنتظر ما لا يقل عن 20 عاما لتتمكن من العودة إلى اقتصاد ما قبل الحرب.
وإن الحالة الاقتصادية ستزداد سوءاً خاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، لأن السبب الرئيسي للهجرة الداخلية لم يعد بسبب الأمن، بل لتدهور الاقتصاد. ولا يقتصر تأثير المشكلة الاقتصادية على دمشق وما حولها، بل هناك صورة قاتمة للغاية في جميع أنحاء البلاد من أجور منخفضة، وأسعار مرتفعة للغاية، كما لا يوجد استثمار أو توظيف. وواضح أن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، كان أحد أهم الجهات الفاعلة في منع حدوث مجاعة في سوريا وحدوث كارثة أكبر. ونقل عن البرنامج أن عدد الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في الوصول إلى المواد الغذائية في سوريا يبلغ 12.9 مليون نسمة.
يتابع قاسم: «كما تُثير التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة، على طول الحدود بين سوريا والعراق، قدراً كبيراً من الاهتمام، خاصة أن عدداً من المؤشرات اللافتة تؤكّد أن هذه التحركات ليست اعتيادية، بقدر ما تشير إلى توجيه رسائل محددة إلى اللاعبين الدوليين على الساحتين السورية والعراقية، في إطار المحاولات الأمريكية للتضييق على روسيا في مناطق نفوذها، فضلاً عن قطع طرق الإمداد اللوجيستي الإيراني عن المليشيات التابعة لها هناك. وتأتي التحركات العسكرية الأمريكية في ظل ما يتردد إعلامياً حول “عقيدة بايدن”، التي تؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست لديها النية في سحب قواتها العسكرية من سوريا، أو من العراق، خاصة أن التحركات العسكرية الأخيرة تمت في شمال شرق الفرات حتى قاعدة “التنف” بالقرب من المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن. إذ تتواتر الأنباء عن حركة نشطة لطائرات الشحن العسكري الأمريكية في قاعدة عين الأسد العراقية، وعن نقل أرتال عسكرية وأسلحة وذخائر من العراق إلى منطقة الحسكة، وإلى قاعدة التنف الاستراتيجية.
المنطقة التي تقع على جانبي الحدود بين سوريا والعراق عموماً، وفي شرق سوريا على وجه الخصوص، لم تكن بعيدة عن مناخ التوتر، طوال السنوات الماضية، بين الولايات المتحدة من جانب، وروسيا وإيران من جانب آخر.
يضيف قاسم: «تزامن التحركات الأمريكية مع احتجاجات السويداء، إذ إن التوقيت في التحركات العسكرية الأمريكية، خاصة في شرق سوريا، هو توقيت لافت من حيث تزامنه مع الاحتجاجات في السويداء السورية، التي وإن كانت قد بدأت بتأثير عوامل اقتصادية، بعد إلغاء الدعم الحكومي للمحروقات، وارتفاع كلفة النقل العام، وغلاء أسعار المواد الأولية، إلا أنها سرعان ما تحولت إلى مطالبات سياسية.
والملاحظ أن هذه المطالبات بدأت من المطالبة بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي 2254، ووصلت إلى المطالبة بتطبيق اللا مركزية، تلك التي يُقصد بها “إدارة ذاتية ولعل هذا ما يشي باحتمال أن تستهدف التحركات الأمريكية تحويل احتجاجات السويداء إلى مطالب بالانفصال.
تستند التحركات الأمريكية إلى عدد من الدوافع، التي تكشف عن رغبة واشنطن في ترسيخ وجود قواتها على الحدود بين سوريا والعراق لفترة طويلة، ولعلّ أهمها هي ما يلي:
1- التضييق على القوات الروسية في مناطق نفوذها: حيث يتبدى أن تطورات الحرب الروسية الأوكرانية، وتأثيراتها المتصاعدة على الولايات المتحدة الأمريكية، وحلف الناتو عموماً، تفرض إعادة تموضع ومحاولة فرض موازين جديدة في السياسات الخارجية الأمريكية بالشرق الأوسط، وخاصة في سوريا والعراق، من أجل رفع تكلفة الاستراتيجية الروسية، سواء في أوكرانيا، أو من خلال تواجدها في الساحة السورية.
2- قطع طرق الإمداد اللوجيستي الإيراني: إذ يأتي هذا الاستهداف الأمريكي عبر تكثيف القوات الأمريكية لتواجدها في منطقة القائم الحدودية بين العراق وسوريا، لقطع طرق الإمداد اللوجيستي والعسكري الإيراني، وتحديداً طريق “طهران بيروت” الذي يمر عبر العراق إلى معبر البوكمال، ومروراً بمدن دير الزور وحلب في سوريا، ثم إلى لبنان.
ولا يتوقف الاستهداف الأمريكي عند هذا الحد، بل يستهدف التضييق على الأذرع الإيرانية، بعد أن تجرأت واتخذت مواقف قتالية ضد القوات الأمريكية، إذ يبدو أن التحركات الأمريكية تهدف إلى استنزاف هذه المليشيات، وإرباكها، والتمهيد لإضعاف النفوذ الإيراني في الداخل السوري.
3- إحداث تغيير هيكلي في بِنَى الفصائل المسلحة: إذ يتضح من خلال إجراءات التقارب مع المكون العربي، في مناطق شرق الفرات، أن الهدف هو محاولة استقطاب هذا المكون، في خطوة يُراد منها إحداث تغيير ديموغرافي وهيكلي في بِنَى الفصائل المسلحة، خاصة أن الأكراد كانوا العنصر المهيمن على هياكل الإدارة الذاتية لهذه الفصائل، وعلى أجنحتها العسكرية.
4- توجيه رسائل إلى كافة الأطراف في سوريا والعراق: حيث يبدو أن المنطقة برمتها مُقبلة على تطورات مهمة، فإلى جانب المحاولات الروسية والإيرانية في إيجاد مصاعب ومعوقات للتواجد الأمريكي في شرق سوريا، وكذلك محاولات التوافق الروسي التركي، فضلاً عن توجهات الانفتاح بين أنقرة ودمشق، يبدو القلق الأمريكي. لذا، تبدو التحركات العسكرية الأمريكية، والترتيبات الأمنية، وكأنها بمثابة رسائل إلى كافة الأطراف في الأزمة السورية. وكما يبدو فإن أهمية هذه الرسائل تتضح من خلال ما يستشعر به صانع القرار الأمريكي من مخاطر “التوافق الرباعي”، الذي قد يطال مناطق شرق الفرات، خاصة أن أطراف هذه الرباعية (روسيا، وتركيا، وإيران، وسوريا) ترفض مشروع الإدارة الذاتية، واعتباره مشروعاً انفصالياً. أضف إلى ذلك، أن واشنطن تتوجس من عودة شرعية الأسد إقليمياً، بعد عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومحاولات العراب العراقي في تطبيع العلاقة بين دمشق وأنقرة والتي قد تُشكل ضغوطاً على تواجد القوات الأمريكية في شرق سوريا».
في هذا السياق، يعتقد قاسم: «إن التحركات العسكرية الأمريكية، على حدود سوريا والعراق، من النواحي التكتيكية والعملياتية، هي إشارة إلى احتمالات تشي ببقاء هذه القوات فترة طويلة في سوريا وفي العراق، كما تؤكّد على عدد من الدلالات، أهمُّها الضغط على الجماعات المسلحة هناك، من خلال تكثيف التواجد العسكري الأمريكي.
هذا فضلاً عن المحاولات الأمريكية في إرسال مجموعة من الإشارات التي تتعلق بجاهزية القوات الأمريكية، وإمكانياتها في ردع أي مساعٍ استفزازية من أيٍ من الأطراف المتداخلة في الأزمة السورية، وهو ما يعني أن الاستهدافات الأمريكية في سوريا تضع نصب أعينها كـ”هدف مستقبلي” عالم ما بعد الحرب الروسية الأوكرانية، حيث يمكن أن تُصبح سوريا ساحة قادمة للمواجهة بين معسكرين دوليين متضادين».
من جانب آخر، يردف قاسم: «ان الحرب في قطاع غزة ترخي بظلالها على سوريا الممزقة بعد سنوات من الحرب، ما يتجلى باستهدافات متبادلة تتورط فيها خصوصا طهران وإسرائيل والولايات المتحدة. ومنذ بدء الحرب في قطاع غزة في السابع من أكتوبر، سارع حلفاء إيران في المنطقة إلى دعم حركة حماس في مواجهتها ضد إسرائيل، وعلى رأسهم حزب الله في لبنان ومجموعات موالية لطهران في سوريا والعراق التي تنفيذ هجمات على إسرائيل ومصالح أميركية، إضافة إلى اليمنيين الحوثيين الذين يستهدفون سفناً في البحر الأحمر وبالقرب من خليج عدن، ويثير كل هذا التصعيد الخشية من توسع نطاق الحرب. وإن معظم الهجمات الإسرائيلية تهدف على الأرجح إلى تعطيل وصول شحنات أسلحة إيرانية إلى حزب الله والمجموعات الموالية لطهران داخل سوريا، وكذلك إلى إضعاف هذه الشبكات المرتبطة بإيران بشكل عام. وأن اسرائيل لطالما أعربت عن اعتقادها بأن الأسلحة المتطورة على غرار الصواريخ الباليستية وقطع الطائرات المسيرة يتم جلبها برا من العراق، أما القطع الأصغر والقابلة للإخفاء، فيتم إحضارها جواً عبر مطاري دمشق وحلب».

التطورات الأخيرة غيرت الكثير من المفاهيم القديمة ووجهتها نحو مناحي جديدة
تحدث الكاتب والسياسي، دوران ملكي لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «إن التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط غيرت الكثير من المفاهيم القديمة ووجهتها نحو مناحي جديدة فدخول أمريكا والاتحاد الأوروبي في الحرب على حركة حماس بشكل شبه مباشر إلى جانب إسرائيل وحصر الحركة في الزاوية الضيقة، وربما عزلها سياسياً وتجريدها من سلاحها، وتوجه إسرائيل نحو حزب الله في لبنان، وهذا دليل واضح على نزع البساط من تحت أرجل الأنظمة التي كانت تستغل هذه الحركات الراديكالية، وجدية إسرائيل والغرب في مواجهة هذه الحركات له مدلولات أخرى ولربما تمتد إلى دول أخرى بعد لبنان.
إن الأنظمة التي تدخلت في الشأن السوري لمصلحة النظام يطالبونه بدفع تكاليف الحرب وخاصة روسيا فهي تحتاج إلى المال لتغطية تكاليف الحرب على أوكرانيا، فيلحون على سيطرة نظام بشار الأسد على كامل التراب السوري ومفاصل الاقتصاد ليتمكن من دفع ديونه، وهذا لا يتحقق إلا بخروج جيوش الدول المتواجدة بشكلٍ غير قانوني مثل الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا.

يتابع ملكي: «إن تراجع وخسارة نظام أردوغان وحزبه في الانتخابات المحلية الأخيرة وانهيار الليرة التركية أمام العملات الأجنبية والتراجع الملحوظ في دخل المواطنين سيؤدي في النهاية إلى خروج أردوغان وحزبه من المعادلة السياسية، ومن منطلق الخوف سارع إلى اتخاذ خطوات جديدة في المجالات الاقتصادية والسياسية وتخلى عن العنجهية السياسية المتبعة مع المحيط الإقليمي والغربي، وخير دليل هو ذهابه إلى بغداد وأربيل عاصمة إقليم كوردستان وأحلاهما أمر من الآخر، ليس إلا للدخول في المشروع الصيني الإيراني العراقي لفتح طريق الحرير إلى البحر الأبيض المتوسط بعد تعثر المشروع في سوريا، واستطاع إقناع الحكومة العراقية لمد خط سكة حديد من شمال الموصل مروراً بدهوك في إقليم كوردستان بناءً على رغبة حكومة الإقليم ومن ثم الدخول إلى الأراضي التركية في معبر إبراهيم الخليل، ولذلك تتكفل الحكومة العراقية تكاليف المد من شمال الموصل مروراً بدهوك ومن ثم الأراضي التركية، وتتحمل تركيا مدها لتلتقي بسكة قطار بغداد -برلين في مدينة نصيبين، ويعتبر هذا المشروع بمثابة المورفين المهدئ للاقتصاد التركي، وبذلك قدم أردوغان سلسلة من تنازلات للحكومتين العراقية والكوردية.
المشكلة الثانية التي تواجه تركيا هي موضوع اللاجئين السوريين والتي تعتبر من أكبر المشاكل، ولا يستطيع النظام إيجاد الحلول لها. لا تستطيع تسفيرهم إلى الخارج عبر فتح الحدود لهم وخلق مشاكل مع الاتحاد الأوروبي ولا بقائهم في تركيا إذ يزيد من أسهم المعارضة التركية، فكان لابد من تقديم التنازلات لروسيا والنظام السوري وهو التخلي عن المعارضة السورية وتقبل فكرة الانسحاب مقابل عودة اللاجئين دون محاكمة باستثناء قادات المعارضة، وتعديل اتفاقية أضنة لتصبح التدخل العسكري إلى حد 30كم بدل من 5كم وإلى الآن لم يوافق النظام السوري تماماً على المطالب التركية ويصرّ على تسليم قادة المعارضة ومحاكمتهم».
يضيف ملكي: «ان النظام الإيراني يرى في الوجود الأمريكي بالند من مصالحه ومخططاته، إذ يعتبر الوجود الأمريكي بمثابة سد المنافذ أمام الوجود الإيراني وقطع الإمداد عن الفصائل الموالية لإيران في سوريا ولبنان، وهم يدركون تمام الإدراك بأن إسرائيل لن تتوقف عن ضرب أذرع إيران في المنطقة بعد القضاء على حركة حماس، وإن المخططات جاهزة لنقل الصراع إلى جنوب لبنان وضرب حزب الله ومن ثم يأتي الدور على الوجود الإيراني في سوريا، والحل في نظرهم يكمن في خروج القوات الأمريكية من سوريا وبسط سيطرة النظام على جميع الأراضي السورية بما فيها منابع النفط والفوسفات والقطاع الزراعي.
في هذا التوقيت الحساس وإثناء مجيء الرئيس الروسي بوتين إلى قاعدة حميميم واجتماعه مع وزير الخارجية التركي والسوري صرحت القيادة العسكرية الوسطى العسكرية يوم الأربعاء 19-6-2024 إنها قتلت المسؤول الكبير في تنظيم الدولة أسامة جلال محمد إبراهيم الجنابي في غارة جوية شنتها في سوريا، وشددت القيادة الوسطى "سنواصل مع حلفائنا في المنطقة تنفيذ العمليات الهادفة إلى إضعاف قدرات تنظيم الدولة"، وهذا دليل قطعي إن القوات الأمريكية باقية في المنطقة وفي سوريا بالتحديد، لأن خلايا تنظيم داعش تعد العدة وتعيد تنظيم نفسها وكانت رسالة أمريكية لاجتماع حميميم.
إن جميع الدول الفاعلة في سوريا لها أجنداتها الخاصة بها والتي تتماشى مع مصالحها، ولذلك لن تقف أمريكا مكتوفة الأيدي حيال التحرك التركي باتجاه المعسكر الشرقي، والمساعدة في فتح طريق الحرير عبر الأراضي التركية ولكنهم يدركون تماماً مستقبل إدارة أردوغان في تركيا».
يختم ملكي: «انه يتوجب على القوى الكردية الفاعلة من الجلوس إلى طاولة المفاوضات، والكف عن إحراج الولايات المتحدة الأمريكية، والبدء بتشكيل إدارة شاملة تشمل جميع مكونات المنطقة، وسحب الذرائع من يد تركيا والتي تدعي بتواجد الإرهاب على حدودها وتحتل أجزاء من كوردستان سوريا تحت هذه الذريعة.
الأماني شيء والوقائع شيء آخر، فإن من أسس لهذه الإدارة وعمل عليها ومهد لها يعرفون كيف يخططون؟ وكيف يضعونها في خدمتهم؟ وما الانتخابات والتشكيلات الإدارية التي كان ينوي الإدارة القيام بها من طرف واحد كان أحد الذرائع التي قدمها وزير خارجية تركيا في قاعدة حميميم، ولولا تدخل الإدارة الأمريكية ومنع هذه الانتخابات لربما اجتاحت تركيا مناطق أخرى من كوردستان سوريا.
بالإضافة لذلك أثبتت الإدارة فشلها وأوضحت للقاصي والداني بأنهم إدارة مارقة عابرة هدفها نهب المنطقة ونقلها إلى قنديل كما صرح به عبدالله أوجلان بأن (أكراد) سوريا يجب أن يتحولوا إلى جسر لعبور الحركة الكوردية في تركيا، وبذلك يتم حلب المجتمع الكوردي بدءاً من استغلال المياه وبيع أشعة الشمس والتجويع الممنهج عبر مجموعة ضخمة من الضرائب والأتاوات التي تثقل كاهل المواطنين، وبذلك تزعزع ثقة المواطن الكردي بأية إدارة كردية في المستقبل، وتكرس نظرية المستعمرين بأننا لسنا مؤهلين لإدارة أنفسنا».