لغة الدين الإيزيدي وهويته
حسو هورمي
1
تكتنف كثير من الديانات والعقائد في الشرق الغموض والارتباك في الأبحاث والدراسات العامة، مما يضاعف ذلك الاشكال ان بعض تلك الديانات صنفت ضمن اقليات تعيش داخل اوساط دينية محافظة لها نظرتها الخاصة تجاه الآخر المختلف، مما يخلق لها معاناة مستدامة من المجهولية والتجاهل فنسجت حولها كثير من الأقاويل والخرافات وبهذا لم تشكل ديانة أو مذهب من المذاهب خلافا في الآراء وتناقضا في المواقف منها ولاسيما في ما كتب حولها مثلما قيل أو اشيع عن الإيزيدية وذلك لسببين ، السبب الأول ان أكثر من كتب عنها قديما من غير المتعمقين عمليا بأحوالها ومعتقداتها ومن غير المتعايشين معها أو لم يطلعوا عن كثب على حقائق دينهم وطقوسهم وعقيدتهم وعلاقاتهم الاجتماعية، لذا اعتمدوا على مرويات/ نقولات من القصص تلقفتها اذانهم عبر الاستماع الى الناس الذين يتناقلونها كأساطير وحكايات لاتمت الى حقيقة الإيزيديين بصلة، كبديل عن عدم تمكنهم من الاتصال بالإيزيدية بالنظر لسرية عقيدتهم وخشيتهم من الغرباء/ الأجانب نتيجة للحروب والمجازر التي مورست ضدهم، و السبب الثاني عدم تصدي أبناء الإيزيدية للكتابة عن ديانتهم نتيجة لمنعهم من القراءة والكتابة في تلك العصور وتفشي الجهل والأمية بين مجتمعاتهم .
هناك كثيرون ممن كتبوا عن اصل وهوية الديانة الإيزيدية ونشروا آراء وفرضيات مختلفة دون الرجوع لأهل الشأن انفسهم والإستفسار عن ماهية اساس وأصل تسميتهم حسب معتقدهم الديني عبر نصوصهم الدينية المقدسة ،فلو سئل اي إيزيدي عن ديانته، سيقول: انا ئيزيدي، وعلى اثر التعريب اصبحت الكلمة هذه يزيدي وهناك نصوص مقدسة للديانة الإيزيدية باللغة الكُردية تبين معنى اسم " الإيزيدي " .
عندما تسأل الإيزيدي عن كلمة «الله» بالكردية، سيقول لك «خودا» أي من خلق نفسه، ويشير دوملي إلى أن اسم «الإيزيدي»، جاء من كلمتي «أز» و«داي» الكرديتين، أي «من خلقني»، ثم تدرج إلى «إيزيدي» وهو ذلك الفرد الذي يعبد " إيزيد"
اذن " خودا و ئه زدا " في الكُردية بمعنى الذي خلق نفسه وخلقني،وإيزيدي بمعنى الذي خلقه ( إيزي) الله .
كما ان عالم الآثار والمؤرخ الالماني لافاري نابو الخبير بالآثار واللغات القديمة السومرية والبابلية والآشورية، والذي اكتشف ان كلمة إيزيدي مكتوبة بالخط المسماري منذ العهد السومري، وهي تتكون من ثلاث مقاطع (ئي زي دي) والتي تعني الذين يسيرون على الطريق الصحيح، أو الروح الخيرة وغير الملوثة، لذا يمكننا القول ان تسمية الإيزيدية قد أتت من هذا الاشتقاق منذ الالف الثالث قبل الميلاد، بما يؤكد على ان الإيزيدية من الديانات القديمة جدا في منطقة الحضارات العظمى في الشرق.
2
لغة الدين الإيزيدي
يوضح د. عبد الفتاح بوتاني الذي قدم كتاب " دراسات ومباحث في فلسفة وماهية الديانة الايزيدية) لمؤلفه الدكتور ممو فرمان عثمان " بان الديانة الإيزيدية هي من ديانات الكورد القديمة وموجودة في كوردستان منذ الاف السنين، وكان يعتنقها معظم الكورد قبل ظهور اليهودية والمسيحية والاسلام، وأوضح دليل على هذا ان معتنقي هذه الديانة لايتواجدون الا في كوردستان، وان لغة هذا الدين ومفتاحه هي اللغة الكُردية".
اما الباحث الدكتور خليل جندي / جامعة كوتنكن الالمانية فيقول بهذا الصدد بأن "أكثر من 98% من نصوص ديانة الإيزيدية باللغة الكُردية، وجميع طقوسها ومراسيمها وعباداتها تقام وتقال وتلقن باللغة الكُردية، ولغة معتنقيها لغة كوردية ( ماعدا قصبتين هما بعشيقة وبحزاني يتحدثون بلغة هي خليطة من العربية والكُردية وكلمات فارسية، علماً أن العشائر التي تسكن فيها مثل الدوملي، الختاري، الهكاري، الماموسي،..هي عشائر كوردية معروفة).
فضلا عن ذلك يعيش الايزيديون في كل من العراق، سوريا وتركيا، على أرض كوردية/ كوردستانية. وأن جميع عشائرهم هي عشائر كوردية، وهذه أسماء البعض منها: [ الهكارية- الدوملية-الختارية- القائدية- الدنانية- السموقية- القيرانية- الرشانية- الهراقية- الشرقية- الداسكي- الخوركان- الجوانان- آلدخي- الخالتي- الجلكية- الهويرية- الروزكية- الجهسانية- الماموسي- الكاشاخي...]
فماذا نقول عن ديانة معتنقوها ينتمون الى أعماق تاريخ وجغرافية آباء الكورد، ويتحدثون لغتهم، ويحملون نفس مشاعرهم وربما أكثر وأعمق، بل يحفظون بأمانة فلسفة وعقائد أجدادهم الأوائل، وفوق كل ذلك أنه دين مغلق لا تبشيري ، اتباعه ينتمون الى مجموعة الزواج الداخلي المغلق ولا يتزاوجون مع أتباع الديانات الأخرى وتدور عقائدهم وعباداتهم فقط ضمن هذه المجموعة. أليست هذه الدلائل كافية لنعد الدين الإيزيدي دين كوردي بامتياز؟.
اما الكاتب والشاعر أديب جلكي يذكر بان " الإيزيدية دين كوردي قديم ،وجميع النصوص المقدسة لهذه الديانة هي باللغة الكُردية عدا نصين او ثلاث وضعت بالفارسية والعربية وثمة بعض العبادات والطقوس لايجوز ممارستها او اداؤها بغير الملابس الكُردية ،كرقصة السما" السماع " في معبد لالش ، فالإيزيدي الذي فرض عليه العقال العربي في سنجار وبعشيقة ينبغي عليه دينيا خلع العقال العربي عند ممارسة هذه الرقصة الدينية وتبديله باليشماغ الكوردي الأحمر ، اما عن الاهمية القومية للنصوص الدينية الإيزيدية وطقوسها ،فالادعية الدينية المختلفة والاقوال والقصائد عبارة عن تعاليم وارشادات واصول الدين صاغها اناس إيزيديون يجمعون بين كونهم ادباء وشعراء من ناحية ورجال دين من ناحية اخرى في قوالب واشكال شعرية و سجعية او نثرية باللغة الكُردية وضعت اغلب هذه القصائد والأبيات في عهد الشيخ عادي بن مسافر الهكاري وما بعده اي انها وضعت في نهاية القرن الخامس الهجري ممتدة الى السادس والسابع الهجري وتكمن اهميتها اللغوية في تشكيلها قاموسا كبيرا لحفظ اللغة الكُردية والأهم من ذلك ان هذا القاموس وضع في القرنين الخامس والسادس الهجريين وما يليهما من ناحية اخرى ستكون هذة النصوص قوة اضافية لجعل لهجة الكورد الإيزيديين التي تجمع بين اللهجات الهكاري، البهدينانية، البوتانية في آن واحد نواة اللغة الادبية الكُردية الموحدة " ولأن هذه النصوص بلغة كوردية نقية الى حد كبير وقد احتفظت بالمئات من المفردات النقية والتي قد نساها الكورد المسلمون ،وبهذا فانها ثروة لغوية ترفد القاموس الكوردي.
اما من ناحية الاهمية الفكرية والتاريخية والاجتماعية فان هذه النصوص الدينية ستساعدنا على كشف كثير من التواريخ والرموز ،فانها ترسم لنا ملامح افكار الفلسفة الدينية بشأن الكون والخليقة وما يجري عليهما من ظواهر ومايحكمهما، كما ينظم علاقات الناس بعضهم مع بعض و بينهم وبين مقدساتهم عن مفهوم الانسان والحياة والموت وعن الدار الابدية و الدار الفانية اي انها تعرفنا على فلسفة وتفكير الكرد القدامى مثل الطقوس والمعارضة والتقاليد والعادات الإيزيدية التي تعرفنا على المجتمع الكوردي القديم في الافراح والاتراح ،في المأكل والملبس في المسكن والعمران في جميع نواحي الحياة.
3
الكتب المقدسة
المعروف عن الإيزيدية ان لديهم كتابان مقدسان وهما " الجلوة ومصحف رش" والاخير يعني بالعربية المصحف الاسود ،وتعددت القصص عن مصير هذين الكتابين والتشكيك بالكتابين المذكورين والمعروضين في الكتب التي تناولت الإيزيدية جاءت من كتاب وباحثين كثيرين، منهم: صديق الدملوجي وعبد الرزاق الحسني ونوري بك وجورج حبيب، فضلا عن الكتاب الإيزيديين أنفسهم. كونهما كتبا بلغة عربية ركيكة وعبارات ضعيفة التراكيب .
ويعتقد ان الكتابين قد ضاعا في لجة الإبادات التي جرت بحق الإيزيديين، وما وصلنا من النسختين المتداولتين السالفين،لم يخل من تحوير وتحريف ،بدليل ان النسختين لم تتناولا إجماع المرجع الديني الإيزيدي نفسه، لذلك يعتقد انهم أعادوا كتابتهما من جديد اعتمادا على الحفظ،وهذا ما أدى الى وقوع أخطاء كثيرة ،وبهذا لم تحظ بموافقة المراجع ورجال الدين الإيزيدية انفسهم ومن المهتمين بالشأن الإيزيدي .كما لايظهر في الكتابين تاريخ تألفيهما ولا الشخص الذي ألفهما.
4
معبد لالش
معبد لالش المقدس أو لالش النوراني، المعبد الوحيد الأوحد للإيزيديين، يبعد بنحو60 كم شمال مدينة الموصل و14 كم شمال قصبة عين سفني/ مركز قضاء الشيخان في إقليم كوردستان العراق .
يعد لالش من اقدم الاماكن لدى الايزيدية ومعبدهم الرئيسي ومحل حجهم ومرجعهم الديني ويعتبر في ميثيولوجتهم بمثابه خميرة الارض الالهية وسر استقرارها وموطن انتشار البشرية الاولى لذا يحرم فيه القتل والنهب والفسق والفساد وكل ما هو مخالف للاعراف والقوانين الاجتماعيه العامة ولا يجوز فيه الصيد وقطع الاشجار وكل ما يضر بالطبيعة
5
لقد واجه الإيزيديون والديانة الإيزيدية مخزونًا لا ينضب من المزاعم والصور النمطية والأساطير منذ مئات السنين عبر تلفيق القصص التي غلب عليها الطابع الفانتازي البعيد عن جوهر وحقيقة وفلسفة الديانة الإيزيدية ، فضلا عن جملة من الاتهامات التي تصب جميعها في خانة طمس معالم الحقيقة وزرع بذور التشكيك وكوسيلة من وسائل الطعن بالديانة الإيزيدية وبالشعب الإيزيدي وظلمهم ووضعهم في خانة المتهم على الدوام وما زال تأثير هذه المزاعم والاتهامات قائمًا في كتابات بعض الباحثين المعاصرين.
ما من دين جهله الناس واختلفوا في شأنه وظهوره ومعرفة اصله كالدين الإيزيدي ,وهذا ما عرضه على مر التاريخ، للاضطهاد والقمع من قبل مختلف الجماعات والأنظمة السياسية، سيما بسبب فتاوى تكفير اتباع هذه الديانة العريقة وهدر دماء أبنائها. وصدرت الفرمانات واطلقت حملات القتل والتهجير أثناء الحكم العثماني وتعرضوا لمحاولة "الأسلمة بالقوة" وصدرت فتاوى ضدهم وتصنفهم على أنهم جماعة هرطقة.وفي التاريخ الحديث لم تسلم من التهميش في ظل حكم حزب البعث، ولا من استهدافات تنظيم "القاعدة"، عام 2007 واخرها كانت من حصة تنظيم داعش الارهابي في 3 اب / اغسطس عام 2014 .
إن الاضطهاد والظلم الذي تعرض له الإيزيديين يجب أن يشجع المجتمع الدولي على العمل المشترك للحفاظ على حقوق الإنسان والتسامح الديني والثقافي ومكافحة الكراهية والتمييز وحماية حقوق الإيزيديين مع توفير ضمانات عدم تكرار الإبادة بحقهم ..
في الختام اقول بان المجتمع الإيزيدي مجتمع فريد من نوعه يستند الى تاريخ طويل وثقافة غنية، يستحق الاحترام والتقدير لتمسكه بأرضه وهويته على مر العصور.