في بيتنا حصان

في بيتنا حصان

محمود عمر

كأي بيت ريفي جميل في القرية كان يعيش معنا العديد من الحيوانات الأليفة.. الغنم وخرافها.. الماعز وجدييها....الديك والدجاج وصيصانها..العصفور الدوري...الاوز والبط وصغارها...الديك الرومي والعلوك...القطط. ...وكلب الجيران الذي يتموضع دوما أمام بابهم للحراسة ولا تغفل عيناه عن مراقبتنا او كنا كصغار من خوفنا هكذا نتوهم......الا أن أكبر حيوانات بيتنا وألطفها هو ذاك الحصان الابيض الذي يتخلل بياض جسمه نقاط سوداء؛ فيبدو كاملا كلوحة لولو جميلة..
حصان نمتطي ظهره على الدوام، ويبدو هو سعيدا للغاية حين يرى ملامح الفرح مرسومة على وجوهنا، حصان يرافقنا في كل أسفارنا ويقضي جميع حوائج البيت نحمل على ظهره أكياس القمح ونتوجه الى طاحونة العم( رسولو )بقرية (كركي خلو) كي يطحن قمحنا ويغدو طحينا لقوت يومنا،العم(رسولو) الذي يظل ينهرنا كل مرة نرتاد فيها طاحونته بالقول انتم أطفال والذهاب الى الطاحونة مسألة لا يقدر عليها الا الكبار.
حصاننا يقلنا في الأعياد والمناسبات الى القرى المجاورة حيث يسكن أقاربنا لا يتذمر أبداً ولا يظهر امتعاضا...نرمي على ظهره الخرج طيلة موسم البطيخ والجبس لينقله الى البيت وفوق الخرج المليء نمتطي ظهره...وطيلة مواسم الحصاد لا يكل او يمل في نقل القمح والشعير والعدس والتبن الى البيت...
كنا نحن الأولاد نشعر على الدوام بأنه أحد أفراد الأسرة ولا نتصور حياتنا بدونه ولو للحظة، فهو شريك كل تفاصيل نهارنا نحن الأطفال.. حتى في الأيام التي لا نحتاج اليه للحمل والزيارات، كنا نربطه ليس بعيدا عن النبع الذي نقضي جل يومنا مع بقية أطفال القرية حوله نتفيأ بظل شجرة التوت الكبيرة التي تظلل كل المكان(دارا علي بدراني) .
نظل نراقب حصاننا المربوط، ونغيّر مكان ربطه كل عدة ساعات لنعود معه في المساء هكذا ظلت أيامنا تمضي نحن الصغار جميلة في تلك القرية الصغيرة، نلعب في بساتين التفاح والتين والخوخ والرمان والسفرجل، نحمل البعض منها ونرميها في مياه النبعة حتى تبرد، البعض الآخر يحمل من الكروم عناقيد العنب ويرميها في النيع أيضاً ،والبعض يرمي ببطيخة او جبسة ؛وبعد لحظات تكتمل صفرة الفواكه على احجار البازلت الذي يرصف النبع والكل يتشارك في أكل ما يشتهي...وفي موسم التوت ترانا نتسلق أشجار التوت ولا يغادر لون التوت الأسود حواف شفاهنا عدة أيام،تمضي أيامنا جميلة..
ولكن أجمل لحظات حياتي أفراد اسرتنا كانت تلك التي نتشاركها مع الحصان كنا كصغار نشعر دوما بطيبة ذاك الحيوان الجميل نشعر انه سعيد بسعادتنا حزين بحزننا، فقريتنا كانت لا تزال تفتقر الى الطاقة الكهربائية، وكان يهل شهر رمضان في أشهر الصيف الحارة جدا كان أبي عصيرة كل يوم من الشهر الفضيل يسرج الحصان ويضع على ظهره الخرج الكبير لأتوجه به صوب قرية (آل قوس) التي تبعد عنا شرقا مسافة أكثر من خمس كيلومترات، وكانت القرية ولقربها من محطة النفط مزوده بالكهرباء وكانت عمتي حزينة زوجة المرحوم (عباس حسو) تكون قد جمعت قوالب البوز( الثلج) من معظم بيوتات القرية ليملأ (العم عباس) خرج حصاني بها ،وأعود صوب القرية على ظهره.
كان الحصان يحتل جزءا مهما من حياتنا اليومية ولم نكن نتصور ابدا بأنه سيفارقنا او نعيش بدونه ولو للحظة.
ولكن وفي يوم ما أدخل أبي الى بيتنا آلة جديدة اشتراها أبي تدعى(دراجة نارية) كان أبي سعيدا بمركبته تلك ولم نكن ندرك بأن تلك المركبة ستكون سبب تعاستنا نحن الصغار ...آلة سريعة يقضي بها جل أعماله وخاصة اجتماعاته الحزبية ونقل البريد ...هذه المهمة التي كانت منوطه بي وبالحصان طيلة المرحلة الابتدائية. حيث كان أبي يربط حزمة من الجرائد ويلفها بقطعة قماش يضعها بين السرج والخرج ،يساعدني على امتطاء ظهر الحصان. ويطلب مني الذهاب الى خرابى رش بيت شريف رمي الى قريةقاشتوا بيت محمود برهك الى قرية شيدكه بيت نصروالى قرية ال قوس بيت سعدي وكلمة السر . .. سلم على عمك.

بفقدي تلك المهمة_ التي كنت سعيدا بها اذ أقضي جل يومي على ظهر الحصان وبرفقته - شعرت بالخطر وان أمرا ما سيحدث ولكن لم أكن أتوقع ان يتم بتلك السرعه وان أبي بتلك السهولة سيستغني عن الحصان وخدماته ويقوم ببيعه لم نستوعب كصغار البيت هذا الامر كانت أمي تدرك ان ذاك الامر سيحزننا طلبت من أبي ان يتخلى عن فكرة بيع الحصان.
لكن أبي كان مصراً فآلته الجديدة تقوم بكل الأعمال ...هذه الآلة التي كرهناها جميعا ما عدا أبي...لأنها كانت السبب في فقدنا لفرد كان يشاركنا كل سعادتنا، كان ذلك اليوم المشؤوم الذي باع فيه أبي الحصان يوما أسود، قضيناه نحن الصغار بالبكاء كان يوما حزينا للغاية فارقت فيه الابتسامة وجوهنا.
تلاه أيام حزينة أخرى لا أعلم عددها ولكني أعلم ان تلك الآلة محت الكثير من المشاعر فينا، وجعلت أيامنا تمضي برتابة دون عواطف أو مشاعر وطبعتنا بما فيها من جمود ولكننا ورغم كل شي ما زلنا نتذكر حصاننا الوفي و لن ننساه لأن الأوفياء يظلون عالقين بذاكرتنا على الدوام وبالرغم منا....انها مجرد قصة حصان وفي.