كنت أحلم يا ابنتي !!

 كنت أحلم يا ابنتي !!

منى عبدي

ابنتي الغالية
لقد أحزنتك، وأبكيتك مرتين في يوم واحد، لكنني في الواقع أندم الآن على كل ذلك، لقد اكتشفت أنه حلم مخيف، وليس كابوساً أو ربما تحذيراً، صدقاً لا أعرف ماذا أسميه؟ لكن كانت ليلة مختلفة مخيفة كأنها نهاية رحلتي في الحياة.
لم أفهم ماهذا كله؟ المرء قد يرى أحلاماً في الليلة الواحدة. أكتر من حلم..نعم، ويصادف أن تمر فترات طويلة لا يرى فيها مناماً أو حلماً، فما بالك بالموت ؟!!
فأنا نفسي لا أعرف، ولكن يُخيّل إلي الآن أنني حين حلمت كانت ليلة داكنة، نعم كانت داكنة، ولم أستطع رؤية شيء، وأخبرتك أنني كنت أصارع المرض، وأكاد أنطق بكلمات معدودة وهي وصيتكم أنتِ وأخواتك.
كنت على يقين من الرحيل تماماً، وأخبرتك ياعزيزتي أنني شاهدت الروح تخرج من الجسد، ابتدأ ذلك من أصابع رجلي، وأعترف لك يا ابنتي أني أكاد أن أكون متيقنة الآن أن الموت قريب جداً. إنه لأقرب رمش العين إلى العين.
كنت متمدّدة على فراش الموت والعتمة مهيمنة حولي. ترسخت هذه اللحظات في ذهني، مازالت الروح تصعد إلى الأعلى وأنا أشعر بذلك لحظة وراء لحظة، ومازلت ألح بوصيتكم من بين مئات الأحلام. هذا الحلم أوجعني جداً، رغم ذلك وفي هذه اللحظة التزمت الصمت. أيقنت تماماً أن جسدي أفرغ من الروح، ووصل الموت إلى الصدر. هنا تنفست عميقا يا ابنتي!
اتضح لي أنها النهاية، وكلُّ ما عشته في الحياة كان كذبة، وانا راحل إلى حيث لا أدري.
ابنتي الغالية:
ما أضاف إلى مشاعري هو أنتِ وأخواتك فقط لا غير، ويبدو لأول وهلة كأنه جسدي ينقسم إلى قسمين. أولهما أنتن. أنتم، والباقي أنا، شعرت أن دبيب مغادرة الروح وصل إلى الرقبة. تذكرت تماما كيف كان هذا الشعور؟ وكيف تكون النهايات؟ كل شيء كان كنت أعيشه بمفردي. أعيش الصراع الواقع بين الروح والجسد، استغربت كيف أن الجسد أبى الاستسلام، واستغنى عن هذه الروح بهذه السهولة والبساطة؟!
ندائي العميق والأخير كان عبر النطق بالشهادة. عندما نطقتها انتابني شعور مختلف هو شعور أي إنسان يجد نفسه خاسراً في النهاية، مخلوعاً عن العالم.
وكأن الموت بقي بعيداً وخسر، هربتُ من بين أسنان الموت.
الموت الحقيقي جلس بعيداً وتسربت روحي من جديد إلى أحضان الجسد، ليكتب لي عمر جديد، ربما لأجلكم يا ابنتي، فتحت عيني ولم أصدق أنني كنت أهذي. كنت أحلم. كنت أواجه كابوساً!! أنت لا تعرفين ما الذي حدث، لذلك فقد أخبرتك كي تدركي حقيقة قصتي. قد تبدو لك هذه القصة غريبة، لكن هذا ما حصل.
دموعك غالية. ما فعلته أني سردت لك الأحداث التي لا تنتظر.
أنا آسفة لهذه الدموع ولم أكن أنوي أن أحزنك
آسفة يا ابنتي...!