الفناجين لها أرواح
وائل ملا
ما أن أدخل المطبخ، تتراقصُ أمامي فناجين القهوة، تتمايل فرحاً، أسمعها تغني، أسمع ضحكاتها، وكلّ فنجانٍ يهمسُ في أذن جاره ليُخبرهُ بمجيئي..
الركوة المعلّقة على الحائط تنحني كجنديّ ستيني يعمل في المراسيم الملكية بمملكة القهوة، يبقى منحياً منتظراً إشارتي.
الفناجينُ لها أرواح، لا تحبّ البقاء مسجونة في دروج المطبخ طويلاً، فهي عطشى، باردة، منذ ليلة أمس، والركوة تكاد الوحدة أن تقتلها.
ما أن أشعلَ النار تحت الركوة، حتى تركض الفناجين كالبطاريق القطبية لتصطف أمامي، كجيش منظم ٍ، بعد أن ملّوا التزاحم الطويل.
أختارُ منهم فنجاناً واحداً، من كان يغني بالكردية، وأعيد البقية إلى أماكنهم وهم حزانى.
تأخرتُ اليوم في إعداد و شرب القهوة، كانت الفناجين قد قفزت من شاهق وتعمّدت أن تكسر أعناقها وتشظى، أمّا الركوة فقد أنقذتها من محاولة إن تحارٍ حتمية.
يقال إن أصول القهوة "إثيوبية"، لكني أجزم إنّ من صنعها أول مرة كردي ٌّ من هناك، فبالقهوة وحدها يلين رأسُ الكردي اليابس العنيد.
يَخرجُ من بيتهِ الطيني ونسماتُ هواءٍ باردٍ تحيط المكان، يرتجفُ عكازه القديم تحت فروٍ يلبسهُ، ذلك الفرو الذي ابتاعه من "ديار بكر "حين زارها قبل سنوات، الطين هُنا لزجٌ جداً، كمن يتوسل الأقدام كي تبقى عليها، كل شيءٍ يبدو وفيّاً هنا..
يجلسُ بالقرب من بابِ الحوش المخلوع، ليتكئ على صخرةٍ لم تتحرك من مكانها منذ زمن، والعشب تحاصرها من كلّ الجهات.
يلفّ الفروَ على نفسه، يخرج علبة التُتن التركي من جَيبه، لا يلفّها، فلديهِ سجائرٌ ملفوفةٌ منذ ليلةِ البارحة عندما كان"حجي رمظان" يشرب الشاي عنده.
يضغطُ بإبهامه على حجر القداحة، تظهر النارُ بعد محاولات، فيُشعلُ سيجارتهُ الأولى لهذا الصباح
"حجي حمو " كان قد قرر عدم التدخين منذ أن ماتت زوجته "ساري "، لكنهُ عادَ وصار يدّخن بشراهة…
يتمتم دائماً ما أن تمرّ بالقرب منه فتسمعهُ يقول: "السيجارة تحرقنا يا بني.. صحيح، لكنها تخفف وطأة الهموم علينا … فابنتي ……ابنتي لم تقترب من الدخان يوماً، رصاصةٌ واحدة قتلتها "
تمتلئ عيونه بالدموع، تبقى عالقةً بين جفنيه، دون أن تسقط، ثم يعودُ إلى الداخل ناسياً عكازته بالقرب من ذلك الحجرْ …