الضفة الأخرى للحياة
شمس عنتر
"المخيف ليس أن نتألم أو نموت بل أن نموت عبثا"...
جان بول سارتر
حاويات النفايات الخضراء المزروعة في تقاطع الشوارع تجذب هيفاء، ومَن مثلها في العتمة، فهو الوقت المناسب، وكذلك الملابس التي تناسب هذه المهمة فقد احتفظت بهم كذكرى من المرحوم.
مرت خمس سنوات وما تزال تلك الرائحة تنبعث منها فقد كان ينقل المئات من أكياس الطحين كل يوم حتى سقط للمرة الأخيرة تاركاً خلفه أفواه فاغرة.
أضاءت جوف الحاوية، وصارت ترمي الأكياس تحت الجزمة التي تبعجها حتى تسمع حشرجتها، وتنوب القدم عن اليد الممسكة بالمصباح في فضّ تلك الأكياس، الروائح النتنة المتطايرة تحرق العيون فتضيع الرؤية.
فجأةً لاح لها شبحٌ من بعيد، تماسكت، وتصنّعت رباطة الجأش، وحدجت بملابسها الرجالية وكأنها تستجدي منها رباطة الجأش، لكن العرق بدأ يتصبب من تحت اللثام.
هي تعرف إنها مجروحة دوماً، لكنها كانت تجهل مكان الجرح، وكأنّها فجأة اكتشفت مكان جرحها، شعرت برغبة مُلحّة في البكاء، هذا ليس وقته، وبّخت نفسها، شعرت بقلبها يذوب، ووجيفه يشقُّ صدرها، الشبح متردداً تبدو رجلاه ثقيلتين.
حاولت أن ترفع مصباحها في وجهه، لكنّها تراجعت، اختلطت مشاعرها، اشتهت جرعة أمان مقابل ما تبقّى لها من عمر ولحظات تكون فيها على الضفة الأخرى للحياة. إنه يتقدّم، ماذا لو هاجمها؟ الأفكار تتصارع في دماغها، لكن اليد اليمنى مع القدم اليسرى لم تتوقفا عن فض الأكياس وانتقاء بعض المحتويات ورميها في قاع الكيس الكبير المتدلي من خلف ظهرها.
الشبح يواصل التقدُّم، شعرت بحرارة ورطوبة تنساب من بين ساقيها، عاتبت نفسها، لماذا خرجت في هذه العتمة أنا استحق ما يجري لي؟؟
ثم تذكّرت مقولتها، الموت لم يعد يرعبني بعد ما عشت رعب هذه الأيام، وكأن بعض قطرات الشجاعة اختلطت مع بحر الخوف، حاولت أن تسعل بصوت خشن، ورسمت بمصباحها دوائر حول الشبح القادم دون أن تتجرأ في تسليط الضوء على وجهه، هو كذلك يسعل، ويواصل التقدم، وفجأة سلط الشبح ضوءه على وجه هيفاء ذات الثلاثة عقود وثلاثة أوجاع تثقل كاهلها تركتهم هناك فيما يسمى البيت، ارتعبت وصرخت به:
تراجع، معي سكين حادة، لكن الشبح لم يبالِ بل تقدّم بخطى أسرع، وتمتم: دائماً المرة الأولى صعبة!
هوّني عليك، وتبين لهيفاء ملامح الشبح عندما لوح بقطعة القماش التي كان يتلثم بها. إنها جارتها سامية التي تعيل أبويها، وقد لفت نفسها بمعطف رجالي.